البلد · الآية 5

﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ

«أَيَحسَبُ»: استِفهامٌ يَكشِفُ حِساباً خاطِئاً

الهَمزةُ في صَدرِ الآيةِ استِفهامٌ، لكنّه لا يَطلُبُ خَبَراً جَديداً، بل يَفتَحُ على ما في النَّفسِ فيُظهِرُه. والفِعلُ «يَحسَبُ» من ح-س-ب: عَدٌّ يَجمَعُ الأشياءَ ويَحتَويها في تَقديرٍ يَطمَئِنُّ إليه صاحِبُه. فالإنسانُ هنا قد عَدَّ وقَدَّرَ، وخَرَجَ من حِسابِه بِنَتيجةٍ سَكَنَ إليها، ولكنّ الاستِفهامَ يُمسِكُ هذا الحِسابَ ويَهُزُّه: أعَلى هذا حَسَبتَ؟

والحُسبانُ الذي لا يُطابِقُ الواقِعَ ظَنٌّ، والظَّنُّ هنا مَوضِعُ الخَطَر. الآيةُ لا تُخبِرُ أوّلاً بل تَسأَلُ، فتَجعَلُ السامِعَ يَقِفُ على حِسابِه ويُعيدُ النَّظَرَ فيه قَبلَ أن يُقالَ له إنَّه غالِط. وهذا أبلَغُ من التَّكذيبِ المُباشِر: يُرى الإنسانُ خَطَأَه بِعَينِه، لا أنّه يُقالُ له فَحَسب.

«لَّن يَقدِرَ عَلَيهِ أَحَدٌ»: قُدرَةٌ يَحسَبُها مَنفِيّةً عنه

الجِذرُ ق-د-ر يَدورُ على ضَبطٍ يُحكِمُ ويُثَبِّت: القَدَرُ مِقدارٌ مَضبوطٌ لا يَزيدُ ولا يَنقُص، والقُدرةُ تَمَكُّنٌ من الفِعلِ بِإحكام، والقادِرُ مَن أمسَكَ الأمرَ فلا يَنفَلِتُ منه. و«لَن» تَنفي المُستَقبَلَ نَفياً مُؤَكَّداً، فالإنسانُ في حِسابِه قد جَعَلَ نَفسَه خارِجَ كلِّ قُدرةٍ تَطالُه، لا الآنَ ولا فيما يَأتي.

و«عَلَيهِ» تُصَوِّرُ القُدرةَ نازِلةً مِن فَوق، إحاطةً تَعلو المَقدورَ عليه وتُمسِكُه. فالإنسانُ يَحسَبُ أنّه لا يَعلوه قادِرٌ، وأنّ قُوَّتَه التي ذَكَرَتها الآيةُ قَبلَها («أَهلَكتُ مالاً لُبَداً») تَجعَلُه في مَنَعةٍ. والحِسابُ كلُّه قائِمٌ على هذا الوَهمِ: أنَّ القُدرةَ مِلكُه وَحدَه، وأنَّ ما فَوقَه فارِغٌ مِن كلِّ ضابِط.

«أَحَدٌ»: واحِدٌ مَقطوعٌ يَنفيه الحِساب

«أَحَدٌ» من أ-ح-د: واحِدٌ مُفرَدٌ مَقطوعٌ عمّا سِواه، يُستَعمَلُ في سِياقِ النَّفي لِيَستَغرِقَ الجِنسَ كلَّه. فقَولُه «لَن يَقدِرَ عَلَيهِ أَحَدٌ» يَنفي القُدرةَ عن كلِّ واحِدٍ يُمكِنُ أن يُتَصَوَّر، لا يُبقي أحَداً قادِراً البَتّة. هكذا يَبلُغُ حِسابُ الإنسانِ مُنتَهاه: لا واحِدَ، لا أحَدَ، يَعلو عليه.

وفي هذا الإطلاقِ مَكمَنُ الغَلَط: الحِسابُ الذي يَنفي «كلَّ أحَد» يَنسى أنَّ الأحَدَ المُطلَقَ غَيرُ الأحَدِ المَعدودِ في النّاس. الإنسانُ نَفى القُدرةَ عن كلِّ مَن يَعُدُّهم، فأمِنَ، ولكنَّ الآيةَ بِصيغَتِها الاستِفهاميّةِ تَترُكُ الثَّغرةَ مَفتوحةً: أحَدٌ واحِدٌ لم يَدخُل في عَدِّه، وهو الذي تَنهارُ عَلَيه القِسمةُ كلُّها.


حَصيلة

تَفتَتِحُ الآيةُ بِهَمزةِ استِفهامٍ تَكشِفُ لا تَستَخبِر: «أَيَحسَبُ». والحُسبانُ من ح-س-ب عَدٌّ يَحتَوي الأشياءَ في تَقديرٍ يُطمَأَنُّ إليه، فإذا لم يُطابِقِ الواقِعَ صارَ ظَنّاً خاطِئاً. والمَحسوبُ هنا «أَن لَّن يَقدِرَ عَلَيهِ أَحَد»: ق-د-ر ضَبطٌ يُحكِمُ ويُثَبِّت، و«لَن» نَفيٌ مُؤَكَّدٌ لِلمُستَقبَل، و«عَلَيهِ» قُدرةٌ نازِلةٌ مُحيطة. و«أَحَدٌ» من أ-ح-د واحِدٌ مَقطوعٌ يَستَغرِقُ في النَّفي كلَّ قادِرٍ يُتَصَوَّر. فالآيةُ تُريِ الإنسانَ حِسابَه: قَدَّرَ أنَّ قُوَّتَه تَجعَلُه فَوقَ كلِّ قُدرة، فأمِنَ، والاستِفهامُ يَفتَحُ الثَّغرةَ في عَدِّه ويَرُدُّه إلى مُراجَعةِ حِسابِه قَبلَ أن يُواجَهَ بِبُطلانِه.