التين · الآية 4

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ

«لَقَد خَلَقنا»: التَّوكيدُ على ما تَمَّ، لا على ما يُنوى

والفِعلُ في الماضي مع لامِ التَّوكيد، فلا يُترَكُ للقارئِ مَجالٌ ليَتَوَهَّمَ أنَّ هذا تَقريرٌ نَظَريٌّ أو وَعدٌ مُستَقبَل، والإنسانُ قد خُلِقَ في هذه الهَيئَة. وما يَأتي في الآيَةِ التاليَة من رَدٍّ إلى أسفَلِ سافِلين يَبني على هذا الأَصلِ ولا يَنفيه.

وقد افتَتَحَتِ البَقَرَةُ قِصَّةَ الإنسانِ بقَولٍ مُوازٍ: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، والفِعلُ هناك «جاعِل»، وهنا «خَلَقنا»، والجَعلُ تَوكيلٌ بمَهَمَّة، والخَلقُ صَنعٌ على هَيئَة، والسورَتانِ مَعاً تَقولانِ شَيئاً واحِداً، هو أنَّ الإنسانَ صُنِعَ ليَقومَ في الأرضِ بمَهَمَّة، فخُلِقَ على القَوامِ الذي يَتَّسِعُ لها.

«الإنسان»: الكائنُ الذي يَأنَسُ بِحَيِّزِه

و«الإنسان» في لُغَةِ العَرَبِ مادَّتُه أ-ن-س، فهو الذي يَأنَسُ ويَأخُذُ بمَوضِعِه ويَطمَئنّ، كائنٌ يَتَفاعَلُ مع ما حَولَه فيَألَفُه ويَنشَغِلُ بِه، زيادةً على أنَّه كائنٌ يَتَنَفَّس. وهذه الطَّبيعَةُ المُتَآلِفَةُ هي ذاتُها التي تَجعَلُه مُستَقبِلاً للحَوامِل: لُغَةً، ومَعنى، وعَهداً.

وتَعريفُ «الإنسان» بأل في السورَةِ يَنفي تَخصيصَ شَخصٍ أو زَمَن، فالمُرادُ كلُّ مَن يَنطَبِقُ عَلَيه الجِنس، وليس آدَمَ وَحدَه ولا جيلاً بعَينه، والقارئُ لِهذه الآيَةِ في القَرنِ الواحدِ والعِشرين هو الإنسانُ نَفسُه الذي تُخبِرُ السورَةُ عن خَلقِه.

«أحسَنِ تَقويم»: القِوامُ في أَجوَدِ ما يَستَقيمُ به كائن

و«أحسَن» اسمُ تَفضيلٍ مُطلَق، يَستَوعِبُ كلَّ ما يُمكِنُ أن يُقالَ فيه «حَسَن»، ولا يُقابِلُه ضِدّ. والإضافَةُ في «أحسَنِ تَقويم» تَجعَلُ التَّقويمَ مُضافاً إلى أَفعَلِ ما يَكون، فالمَعنى أنَّه في الأحسَنِ من بين كلِّ التَّقاويم، لا في تَقويمٍ هو الأحسَن.

والتَّقويمُ من ق-و-م، على وَزنِ تَفعيل، وهو وَزنُ التَّكلُّفِ والإحكام، أي الفِعلِ المَقصودِ المُحكَم. والقِوامُ في الجَذرِ هو الانتِصابُ المَعدول، الهَيئَةُ التي تَقومُ ولا تَنحَني ولا تَميلُ بصاحِبها، ولذلك قِيلَ «اعتَدِل في القِوام»، أي انتَصَبَ مُستَوياً. والإنسانُ خُلِقَ يَنتَصِبُ على قَدَمَين، ويَلتَقِطُ بيَدَين، ويَنظُرُ إلى أعلى، فهَيئَتُه نَفسُها هَيئَةُ كائنٍ يَنوي القِيام.

والقِوامُ هنا لا يَقِفُ عند قِوامِ الجِسم، فالإنسانُ مَكنونٌ فيه ما يَستَقيمُ به في كلِّ أبعادِه: عَقلٌ يَزِن، ولِسانٌ يُسَمّي، ووُسعٌ يَتَحَمَّلُ ما لا تَتَحَمَّلُه الجِبال، ولذلك قالَتِ البَقَرَةُ في مَوضِعٍ قَريبٍ من هذا: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، فالقِوامُ يَشمَلُ قُدرَةَ التَّسميَة، وقُدرَةُ التَّسميَةِ من القِوام.

والآيَةُ تُقَدِّمُ هذا الأصلَ ثُمَّ تَستَودِعُه، وما يَأتي في الآيَةِ التالية من رَدٍّ إلى الأسفَلِ لا يَنفي القِوام، وإنَّما يُذَكِّرُ بأنَّ مَن خُلِقَ مُنتَصِباً قَد يَنحَني، ومَن وُسِّعَ في الأحسَنِ قَد يَختارُ الأَدنى، فالكَرامَةُ مَوهوبَة، والاختِيارُ مَفتوح.


حَصيلة

هذا جَوابُ القَسَم، فقد نُصِبَ أربَعَةُ شُهودٍ في ثلاثِ آيات، والنَّصُّ الآنَ يَنطِقُ بما أرادَ. و«لَقَد» تَجمَعُ لامَ التَّوكيدِ مع «قَد» التي تُحَقِّقُ الفِعلَ في الماضي، فما يَلي لا مَجالَ للشَّكِّ في وُقوعِه. و«خَلَقنا» (خ-ل-ق) بنونِ العَظَمَة إنشاءٌ على تَقديرٍ مُحكَم، و«الإنسان» (أ-ن-س) مُعَرَّفاً بأل هو الجِنسُ كلُّه، يَجِدُ كلُّ مَن يَقرأُ هذه الآيةَ نَفسَه مَوصوفاً فيها، و«أحسَن» (ح-س-ن) اسمُ تَفضيلٍ مُطلَق، و«تَقويم» (ق-و-م) على وَزنِ تَفعيل، ومَعناه إحكامُ القِوامِ والانتِصابِ في كلِّ أبعادِه: في العَقلِ واللِّسانِ والوُسعِ الذي يَتَحَمَّلُ ما لا تَتَحَمَّلُه الجِبال، ولا يَقِفُ عند البَدَن. والسورةُ تَبني على ما قَبلَها بما يَأتي بَعدَها، ولا تَنفيه، فمَن خُلِقَ في الأحسَنِ يَمتَلِكُ ما يَكفيه للقِيام، وما يَحدُثُ بَعدَ ذلك مَسألَةُ اختِيار.