البقرة · الآية 4

﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ

«بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ»: «نَزَلَ» = نفاذٌ مركَّز، وكاف الخطاب

و«النزول» في جذره (ن ز ل) نفاذٌ مكتنزٌ يتعلّق بمحلّ ويمتدّ إليه، فهو وصولٌ مركَّزٌ إلى هدف، وليس سقوطاً عشوائيّاً. والوحي نفذ من الغيب بتركيزٍ حادّ وتعلّق بمحلٍّ بعينه، هو قلبُ المُخاطَب، وامتدّ فيه، ولم يهبط إلى الفضاء بلا وجهة.

ولهذا جاء الإيمان هنا مقروناً بكاف الخطاب إِلَيْكَ﴾، لا بصيغةٍ غفل. فالإيمانُ بما أُنزل صلةٌ بالشخصِ الذي نزل عليه الوحي واستقبله، وليس إيماناً بنصٍّ مجرَّدٍ قائمٍ بنفسه. وكاف الخطاب تُضمر حضوراً حيّاً في لحظة القراءة، والمؤمنُ بالتنزيل يُجدّد الأمان لمن حمَله ولما حمَل، ولا يُوقّع على معلومةٍ جاهزة.

«وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ»: وحدةُ المصدر

والإيمانُ بما أُنزل من قَبلِ المُخاطَب إقرارٌ بأنّ الوحي مصدرٌ واحدٌ تنوّعت تنزّلاتُه بتنوّعِ الأزمنة والأقوام، ومن آمن بالكلّ أثبت أنّ إيمانه للحقيقةِ ذاتِها، لا لانتسابٍ بعينه إلى جيلٍ أو كتابٍ واحد.

و«قَبلِك» من (ق ب ل)، ومعناه قطعٌ ملتصقٌ يتعلّق ويمتدّ، فما سبق من تنزيلٍ محكمٌ متّصلٌ غيرُ منقطع. فالإيمانُ بما أُنزل من قبل يربط التنزّلاتِ كلَّها بمصدرٍ واحد، فمن عاد إلى المصدر اشتبك بكلّ تنزّلاته السابقة، ومن أغلق نفسَه على الانتساب وحدَه انفصل عن الأصل الذي يزعم الانتماء إليه.

«وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ»: اليقينُ درجةٌ فوق الإيمان

و«اليقين» في جذره (ي ق ن) اتّصالٌ يبلغ العمق ثمّ ينفذ إلى الباطن، فالحرف الأوّل اتّصالٌ ممتدّ، والثاني عمقٌ راسخ، والثالث نفاذٌ إلى الداخل. واليقين رسوخٌ يبلغ أعمق نقطةٍ في الكيان ثمّ يسري فيها، وهو غيرُ التصديق الذهنيّ الذي يُضاف إلى المعلومات.

ولهذا أوثر يُوقِنُونَ﴾ على «يؤمنون»، فمن بلغ هذه الدرجةَ في الآخرة صارت عنده كالحاضر، كأنّ العرش بارزاً، وكأنّ أهلَ الجنّة يتزاورون فيها، وكأنّ أهل النار يتعاوَون. ومن يَحمل هذا اليقينَ في قلبه تصير أعماله كلّها محسوبةً عليه وأمامه، وليست غيباً مؤجَّلاً تتفلّت منه ساعةُ الغفلة.

والأوصاف الستّة في مجموعها ترسم درجتين في الإيمان: درجةٌ أولى يحملها كلّ من فَتَحَ قلبَه للغيب وأقام الصلةَ ومَرَّرَ الرزق، وتسَع من لم تبلغه الدعوة على وجه البيان، ودرجةٌ أعلى تضيف إلى ذلك الإيمانَ بالوحي كلّه والإيقانَ بالآخرة. وكلاهما دورٌ لا اسمٌ، وحالٌ لا لقب، فالكلمة تسبق المصطلح، والدور يسبق الهويّة.


حَصيلة

تَنزِلُ ثَلاثُ صِفاتٍ تَتَمَّةً للسِّتِّ، تَمُدُّ الدَّرَجةَ الأُولى إلى دَرَجةٍ أَعلى: «يُؤمِنونَ بما أُنزِلَ إليكَ وما أُنزِلَ من قَبلِك». والإنزالُ في جذرِه (ن-ز-ل) نُفوذٌ مُكتَنِزٌ يَتَعَلَّقُ بمَحَلٍّ ويَمتَدُّ إليه، وليسَ سُقوطاً عَشوائيّاً، فالوَحيُ نَفَذَ من الغَيبِ بتَركيزٍ وتَعَلَّقَ بقَلبِ المُخاطَب وامتَدَّ فيه، ولم يَهبُط في الفَضاء بلا وَجهة. ولِذا جاءَ الإيمانُ مَقروناً بكافِ الخِطابِ «إليك»، فالمُؤمنُ بالتَّنزيلِ يُجَدِّدُ الأَمانَ لمَن حَمَلَه ولِما حَمَلَ، لا يُوَقِّعُ على مَعلومةٍ جاهِزة. ثُمّ يَمُدُّ الإيمانَ إلى «ما أُنزِلَ من قَبلِك»، والوَحيُ مَصدَرٌ واحدٌ تَنَوَّعَت تَنَزُّلاتُه بتَنَوُّعِ الأَزمِنةِ والأَقوام، ومَن آمَنَ بالكُلِّ أَثبَتَ أَنّ إيمانَه للحَقيقةِ ذاتِها لا لانتِسابٍ بعَينه. و«قَبلِك» في جذرِه (ق-ب-ل) قَطعٌ مُلتَصِقٌ يَتَعَلَّقُ ويَمتَدّ، فما سَبَقَ من تَنزيلٍ مُحكَمٌ مُتَّصِلٌ غَيرُ مُنقَطِع، يَربِطُ التَّنَزُّلاتِ كلَّها بمَصدَرٍ واحد، والدَّورُ يَعودُ إلى الأَصل، والانتِسابُ وَحدَه يُغلَقُ على نَفسِه. ثُمّ الثالثة: «وبالآخِرةِ هُم يوقِنون». واليَقينُ في جذرِه (ي-ق-ن) اتِّصالٌ يَبلُغُ العُمقَ ثُمّ يَنفُذُ إلى الباطن، وصُورَتُه الماءُ يَستَقِرُّ في قاعِ البِئر بَعدَ أن يَهدَأَ ضَجيجُ الأَعلى. ولِذا عُدِلَ عن «يُؤمنون» إلى «يوقِنون»، فمن بَلَغَ هذه الدَّرَجةَ صارَت عندَه الآخرةُ كالحاضر. والآخرةُ في جذرِها (أ-خ-ر) تَأكيدُ فَضاءٍ يَمتَدُّ بلا انقِطاع، وليسَت نِهاية، ولِذا قُرِنَت باليَقين، ولا يُوقَفُ فيها عِندَ الإيمان. وتَكتَمِلُ الأَوصافُ السِّتَّةُ على دَرَجَتَين: دَرَجةٌ أُولى يَحمِلُها كلُّ مَن فَتَحَ قَلبَه للغَيبِ وأَقامَ الصِّلَةَ ومَرَّرَ الرِّزق، تَسَعُ مَن لم تَبلُغه الدَّعوةُ على وَجهِ البَيان، ودَرَجةٌ أَعلى تُضيفُ الإيمانَ بالوَحيِ كلِّه واليَقينَ بالآخرة، وكِلتاهُما دَورٌ لا اسم، وحالٌ لا لَقَب، والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة.