البقرة · الآية 5

﴿أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

«عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ»: «على» تفيد الاستعلاء، و«ربّهم» تفيد التربية

«الهداية» في جذرها (ه د ي) تفريغُ الحواجز وامتدادٌ على مسارٍ متّصل. والجديدُ هنا أنّ الحقّ قال عَلَىٰ هُدًى﴾ لا «في هدى»: فحرف «على» يُفيد الاستعلاء والتمكّن. فهؤلاء الذين تراكمت فيهم الصفاتُ الخمس (الإيمانُ بالغيب، والصلاة، والإنفاق، والتصديقُ بالوحي، واليقينُ بالآخرة) لم يعودوا يبحثون عن طريقٍ أمامهم، بل صار الهدى تحت أقدامهم أرضاً يقفون عليها. فتراكمُ الصفات حوّل تفكيكَ الحواجز من عمليّةٍ جاريةٍ إلى حالةٍ ثابتة.

وقوله مِّن رَّبِّهِمْ﴾ لا «من الله» لفتةٌ دقيقة: فـ«الربّ» في جذره (ر ب ب) امتدادٌ يَظهر ويُعاد إظهارُه، تربيةٌ متواصلةٌ تنقل المربَّى من طَورٍ إلى طَور. فإضافةُ الهدى إلى الربّ تُفيد أنّ كلَّ نفسٍ تُربَّى على قدرها، وأنّ الهدى الذي يُضيء طريقَها هو أثرُ التربية التي أتمّها ربُّها فيها. والنورُ في أصله واحدٌ لا يتعدّد، ولكنَّ استقباله في كلّ قلبٍ وَفقَ مسيرته.

«وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»: الفَلَحُ في أصله شقُّ الأرض

«الفلاح» في جذره (ف ل ح) شقٌّ ممتدٌّ يُخلّص ما في باطن الشيء: حرفٌ أوّلُ يَفصِل، وثانٍ يمتدّ ويتّصل، وثالثٌ يُنقّي بعد احتكاك. فالفلّاح في أصل اللسان هو من يَشقّ الأرضَ ليُخرج ما كَمَنَ فيها من بذرةٍ نائمةٍ إلى ثمرةٍ ظاهرة. وإطلاقُ وصفِ المفلحين على المتّقين يكشف أنّ الصفاتِ الخمسَ ليست فضائلَ متراصفةً، بل عمليّةُ شقٍّ مركَّبة: كلُّ صفةٍ منها تَشُقّ حاجزاً وتُخرج ما تحته إلى النور.

والجزاءُ بالفَلَح ليس مكافأةً اعتباطيّةً تُلصَق بالعامل من خارج، بل أثرٌ طبيعيٌّ لما زُرع: السُّننُ الكونيّة تسير بحسابٍ دقيق، ومن أقام خمسَ صفاتٍ شقّت خمسَ حواجز خرج إلى فضاءٍ خمسَ مرّات. فـهُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ليست بُشرى معلّقةً في الأُفق، بل إعلانٌ عن حصادٍ أوشك موعدُه.

خمسُ آياتٍ أساسُ البقرة: الكلمة قبل المصطلح

هذه الآياتُ الخمسُ الأُوَل أساسُ سورةِ البقرة كلّها. فمن اتّخذ الأوصافَ الستّةَ فيها دستوراً وسكَّنها في سلوكه، وجد نفسَه على هدىً من ربّه، ومن المفلحين. وكلُّ ما يأتي بعدُ، من قَصَصٍ وأَخبارٍ، وأحكامِ القتال والنفقة والبيت، إنّما يُفصّل في مسائلَ طارئةٍ على ما تأصَّل هنا.

وليس المفلحُ في هذه الآية اسمَ فرقةٍ، ولا المتّقي لقبَ تديُّن، ولا المهتدي بطاقةَ انتماء. كلُّها أوصافٌ لحالٍ يُقام ودَورٍ يُؤدَّى: من آمن بالغيب أعطى الأمان، ومن أقام الصلاة وَصَلَ، ومن أنفق مرَّر الرزق، ومن أيقن بالآخرة ضَبَطَ خطواته، ومن ركن إلى تربية ربّه شَقَّ ما في باطنه واستخرج ثمرته. وهنا يُعقد خيطُ الكتاب: الكلمةُ تسبق المصطلح، والدورُ يسبق الهويّة.


حَصيلة

تَختِمُ الآياتُ الخَمسُ الأُوَلُ من البَقَرة على حُكمَين: «أُولَٰئِكَ عَلى هُدًى من رَبِّهِم» و«أُولَٰئِكَ هُم المُفلِحون». والإشارةُ بـ«أُولَٰئِك» مَرَّتَين تَحبِسُ الوَصفَ على مَن قامَ بأَوصافِ السِّتّ، فلا يَتَدَحرَجُ إلى مَن يَدَّعي بلا حال. ويَختارُ النَّصُّ «على هُدًى» لا «في هُدًى»: حَرفُ «على» يُفيدُ الاستِعلاءَ والتَّمَكُّن. تَراكُمُ الصِّفاتِ الخَمسِ حَوَّلَ الهُدى من عَمَلِيّةٍ جارِيةٍ إلى أَرضٍ يَقِفونَ عَلَيها، فلَم يَعودوا يَبحَثونَ عن طَريقٍ أَمامَهم بل صار الهُدى تحتَ أَقدامِهم. والإضافةُ «من رَبِّهِم» لا «من اللهِ» لَطيفة: «الرَّبّ» في جذرِه (ر-ب-ب) تَربيةٌ مُتَواصِلةٌ تَنقُلُ المُربَّى من طَورٍ إلى طَور؛ فكلُّ نَفسٍ تُربَّى على قَدرِها، والهُدى الذي يُضيءُ طَريقَها أَثَرُ تَربيةٍ أَتَمَّها رَبُّها فيها. ثُمّ الحُكمُ الثاني: «هُم المُفلِحون». والفَلاحُ في جذرِه (ف-ل-ح) شَقٌّ مُمتَدٌّ يُخَلِّصُ ما في باطِنِ الشَّيء؛ والفَلَّاحُ في أَصلِ اللسانِ هو الذي يَشُقُّ الأَرضَ ليُخرِجَ ما كَمَنَ فيها من بَذرَةٍ نائمةٍ إلى ثَمَرَةٍ ظاهرة. وإطلاقُ هذا الوَصفِ على المُتَّقين يَكشِفُ أنّ الصِّفاتِ الخَمسَ ليست فَضائلَ مُتَراصِفة، بل عَمَلِيّةُ شَقٍّ مُرَكَّبَة: كلُّ صِفةٍ تَشُقُّ حاجزاً وتُخرِجُ ما تَحتَه إلى النُّور. والجَزاءُ بالفَلاحِ ليس مُكافأةً تُلصَقُ من خارج، بل أَثَرٌ طَبيعيٌّ لِما زُرع: مَن أَقامَ خَمسَ صِفاتٍ شَقَّت خَمسَ حَواجِزَ خَرَجَ إلى فَضاءٍ خَمسَ مَرّات. فهذه الآياتُ الخَمسُ أَساسُ سورةِ البَقَرةِ كلِّها: ما يَأتي بَعدَها من قَصَصٍ وأَحكامٍ يُفَصِّلُ في مَسائلَ طارئةٍ على ما تَأَصَّلَ هنا. ليس المُفلِحُ اسمَ فِرقة، ولا المُتَّقي لَقَبَ تَدَيُّن، ولا المُهتَدي بطاقةَ انتِماء. الكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة.