البقرة · الآية 3

﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

«يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ»: الإيمانُ من «أَمِنَ»، فعلٌ متعدٍّ

وجذر «الإيمان» من «أَمِنَ»، وهو فعلٌ متعدٍّ لا لازم، فالمؤمن يصير مصدراً للأمان لمن حوله، ولا يكتفي بأن يطمئنّ في ذاته. فإذا توجّهت هذه الأمنة إلى «الغيب»، أي إلى ما لا تبلغه الحواسّ، امتدّ القلب إلى ما وراء الشهادة كلّها ومنح الأمان لمن لا يراه.

والغيب الأوّل والأعلى هو الله جلّ جلاله، فهو في ذاته غيبٌ مطلق، وما يظهر إنّما هو أثر صنعته. والإيمان به إعطاءُ الأمان لمن بيده الأمر كلّه، وهو أكمل صور الإيمان وأوسعها أثراً، وما يليه في الغيب من الملائكة والبعث والحساب متفرّعٌ عن هذا الأصل.

والإيمان غيرُ التصوّر العقليّ المجرّد، وإلّا كان فكرةً تُدرَس، لا أمانةً تُعاش. ومحلّه القلب، يزيد بالعمل والذكر، وينقص بالغفلة، ويشتدّ حتّى يصير يقيناً، فيكون ما وراء الحسّ عند صاحبه قريباً من العيان، كأنّ العرش بارزاً، وكأنّ أهل الجنّة يتزاورون، وهو الحال الذي يستقرّ فيه الإيمان حتّى لا يتزلزل.

«وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ»: صَلَّى = التوجّه، نَفَقَ = النَّفاذ

وأصل «صَلَّى» التوجّه نحو المصدر، كما تميل الشجرة نحو النور، فالصلاة صلةٌ واصلة، وتجديدٌ للاتّصال بالله في كلّ وقت. وأوثر في قوله يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ لفظُ الإقامة على «يُصلّون»، فخرجت الآية من معنى الأداء الظاهر إلى معنى الإقامة الكاملة ركناً وخشوعاً وميقاتاً، والقائم للصلاة يحمل صلةً واصلة، لا حركاتٍ معدودة.

ويُقرَن بالصلة قوله وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾، والإنفاق من «نَفَقَ»، أي نَفَذ وسَرى، فما رُزِقه المرءُ يُمرّره ولا يمسكه، فيصير واسطةً لا منتهى. وبين الصلة المتجدّدة والمال النافذ تكتمل صورة العبد الذي يُقيم صلته بربّه ويُنفذ فضله إلى خلقه.

تراكمُ الأوصاف الثلاثة

وهذه الأوصافُ الثلاثة تُفكِّك كلُّ صفةٍ منها حاجزاً في القلب، فالإيمان بالغيب يُزيل حاجز الشكّ، والصلاة تُزيل حاجز الغفلة، والإنفاق يُزيل حاجز الشحّ. فلمّا تراكمت الأوصاف تحوّل التوجّهُ إلى المصدر من طريقٍ يُسلَك أحياناً إلى أساسٍ يُقام عليه دائماً.

وهذا الوصف يسَعُ كلّ من يحمل هذا الحال، دون من يحمل اسماً بعينه، فالآية تُعرّف دوراً حيّاً هو من يُعطي الأمان للغيب، ويُقيم الصلة الواصلة، ويُمرّر ما رُزق، ولا تمنح بطاقةَ انتماء، وهذا قلبُ الأمر، أنّ الكلمة تسبق المصطلح، والدور يسبق الهويّة.


حَصيلة

تَنزِلُ ثَلاثُ صِفاتٍ مُتَتالِيَة، وكلُّها أَفعالٌ مُتَعَدِّيَةٌ تَجري في العالَم، لا اعتقاداتٌ ساكِنةٌ في الصَّدر. الأُولى: «يُؤمِنونَ بالغَيب». والإيمانُ في جذرِه (أ-م-ن) فِعلٌ مُتَعَدٍّ لا لازم، فالمُؤمنُ يَصيرُ مَصدَراً للأَمانِ لمَن حَولَه، زِيادةً على طُمَأنينَتِه في ذاتِه. وإذا تَوَجَّهَ هذا الإنتاجُ للأَمانِ إلى «الغَيب»، أَي إلى ما لا تَبلُغُه الحَواسّ، امتَدَّ القَلبُ إلى ما وراءَ الشَّهادةِ كلِّها ومَنَحَ الأَمانَ لمَن لا يَراه. والغَيبُ الأَوَّلُ والأَعلى هو الله جلَّ جَلالُه، فهو في ذاتِه غَيبٌ مُطلَق، وما يَظهَرُ إنّما أَثَرُ صَنعَتِه. ثُمّ الثانية: «يُقيمونَ الصَّلاة»، لا «يُصَلّون». والصَّلاةُ في جذرِها (ص-ل-و) وَصلَةٌ تَنبَعِثُ نحوَ المَصدَر، كما تَميلُ الشَّجَرةُ نحوَ النُّور، والإقامةُ تُخرِجُ الصَّلاةَ من مَعنى الأَداءِ الظاهِر إلى مَعنى البِناءِ الكامِل، رُكناً وخُشوعاً وميقاتاً وإيقافاً للصِّلَةِ قائمةً لا تَنكَسِرُ في زَحامِ اليَوم. ثُمّ الثالثة: «وممّا رَزَقناهم يُنفِقون». والإنفاقُ من «نَفَقَ» (ن-ف-ق)، أي نَفَذَ وسَرى، ومنه «النَّفَق» للمَعبَرِ الباطِنيّ، فما رُزِقَه المَرءُ يُمَرِّرُه ولا يُمسِكُه، فَيَصيرُ واسِطةً لا مُنتَهى. وفي صِيغةِ الآية لُطفٌ، إذ جاءَت «مِمّا رَزَقناهم» دونَ «من أَموالِهم»، فالرِّزقُ مَعناهُ أَوسَع، يَدخُلُ فيه المالُ والعِلمُ والصِّحّةُ والوَقتُ والنُّفوذُ والصَّوت، وما لم يَنفُذ يَركُد، وما رَكَدَ فَسَدَ في صاحِبه. وهذه الأَفعالُ الثَّلاثةُ تُفَكِّكُ ثَلاثَ حَواجِزَ في القَلب: فالإيمانُ بالغَيبِ يُزيلُ حاجزَ الشَّكّ، والصَّلاةُ تُزيلُ حاجزَ الغَفلة، والإنفاقُ يُزيلُ حاجزَ الشُّحّ. فلَمّا تَراكَمَت الصِّفاتُ صارَ الهِدى أَساساً لا طَريقاً، وصارَ الوَصفُ يَسَعُ كلَّ مَن يَحمِلُ هذا الحال، دونَ مَن يَحمِلُ اسماً بعَينِه، والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة.