آل عمران · الآية 115

﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ

«وَمَا يَفْعَلُوا»: كلُّ خَيرٍ يَبقى مَعروفاً

تَعطِفُ الواوُ هذا الوَعدَ على أوصافِ الأمّةِ القائمة، وتأتي «ما» شَرطيّةً تَفتَحُ مَجالَ ما يَفعلون. والفِعلُ من ف-ع-ل شَقٌّ يَظهَرُ من العُمقِ ثمّ يَتَعَلَّقُ ويمتَدُّ حتى يَخرُجَ أثراً، فيَنقُلُ القُدرةَ من باطنِ صاحبِها إلى وُقوعٍ. وجَمعُ المضارعِ يَحفَظُ الضميرَ عائداً إلى أصحابِ الأفعالِ السابقةِ من غير اسمٍ جديد، وجَزمُه بالشَّرطِ يَجعَلُ كلَّ واقعةٍ منه مَفتاحاً للجَوابِ الآتي.

«مِنْ خَيْرٍ»: التَّنكيرُ بعدَ «من» يَستَغرِقُ مِقدارَ الخَير

وجاءَت «من» بعدَ الشَّرطِ لتَنُصَّ على جنسِ المفعول: خير. والخَيرُ نَكِرةٌ، فيَشمَلُ القليلَ والكثيرَ من غير أن تَشترِطَ الآيةُ نوعاً بعَينه. وأصلُ خ-ي-ر اختِراقٌ يَمتَدُّ في لِينٍ وسَريانٍ ثمّ يَجري مُستَرسِلاً في مَسارٍ نافِع، ولذلك كانَ الخَيرُ أثراً يَنفُذُ ويَمتَدُّ داخلَ الفِعل، لا اسماً جامِداً. واجتِماعُ «ما» الشَّرطيّةِ مع «من خير» يَجعَلُ المَجالَ أوسَعَ من كلِّ تَعداد: أيُّ خَيرٍ وَقَعَ، قَليلُه وكَثيرُه، يَدخُلُ في الشَّرطِ ويَستَحِقُّ جَوابَه.

«فَلَن يُكْفَرُوهُ»: الجَوابُ يَنفي حَجبَ الخَيرِ عن فاعِليه

والفاءُ تَربِطُ الشَّرطَ بجَوابِه، و«لن» تَجمعُ نَفيَ الاستِقبالِ مع الفِعلِ المبنيِّ للمجهول: يُكفروه. ومادّةُ ك-ف-ر تَقبضُ على الظاهرِ ثمّ تَفتحُ فيه منفذاً يَمتدُّ منه السِّتر، أمّا هنا فالحركةُ كلُّها واقعةٌ تحتَ «لن»: الخيرُ الذي خرجَ فعلاً إلى الوجودِ يَبقى مكشوفاً محفوظاً، وتَعودُ هاءُ المفعولِ إليه وواوُ الجماعةِ إلى صانعيه، وقوّةُ الوعدِ في أنَّ عملاً خرجَ خيرُه لن يُعادَ إلى غطاءِ الجحود.

«وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ»: العِلمُ المُستَمِرُّ يُحيطُ بأصحابِ الوِقاية

ثمّ تَعطِفُ الواوُ جُملةً اسميّةً تُقَدِّمُ اسمَ الله، ويأتي «عليم» صيغةَ مُبالغةٍ تَحمِلُ عِلماً واسعاً ثابتاً. وفي ع-ل-م يَخرُجُ المعنى من عُمقِه، ويَمتدُّ حتى يَلتئمَ في علامةٍ معلومة، والباءُ تُحكِمُ صلةَ هذا العلمِ بالمتّقين. وأمّا و-ق-ي فتبدأُ بوصلٍ يَلتفُّ على صاحبه، ثمّ يَنعقدُ في العمقِ ويَمتدُّ صَوناً. وصيغةُ «المتقين» تُظهرُهم وهم يُنشئونَ هذه الوقايةَ قصداً، فتَصلُ الخاتمةُ الخيرَ المكشوفَ بصاحبِه المعلومِ عندَ الله.


حَصيلة

يَفتَحُ الشَّرطُ كلَّ ما تَفعَلُه الأمّةُ من خير، ويَمنَعُ التَّنكيرُ أن يُستَصغَرَ بعضُه أو يُحصَرَ في قائمة. ثمّ يَصِلُ الجَوابُ كلَّ فِعلٍ بنَفيٍ مؤكَّدٍ في الاستِقبال: لن يُحجَبَ عنهم ولن يُجحَد. وتَختِمُ الجُملةُ الاسميّةُ باسمِ الله وعِلمِه بالمتّقين، فتَنتَقِلُ من الخَيرِ الواقعِ إلى صاحِبِ الوِقايةِ المَعلوم، وتَقومُ الخاتِمةُ بذلك على أمرَين: صِيانةِ العَمَلِ من الجُحود، وعِلمٍ ثابِتٍ يُحيطُ بفاعِلِه.