آل عمران · الآية 116

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۚ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۚ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا»: الحَجبُ يُعَرِّفُ الصِّنف

تَدخُلُ «إنّ» فَتُثبِّتُ الحُكمَ الآتي، ويأتي اسمُها موصولاً يَصِلُ الحكمَ بفعلٍ: «كفروا». وفي ك-ف-ر احتباسٌ يَقبضُ على ما ظهر، ثمّ شَقٌّ يَنفذُ منه السِّترُ جارياً، والماضي يَجعلُ هذه الحركةَ واقعةً منهم قبلَ أن يُبنى عليها المآل. وبعدَ أن فَصَّلت الآياتُ السابقةُ بينَ أهلِ الكتاب، يَشدُّ الموصولُ هذا الحكمَ إلى أصحابِ الفعلِ المعيَّنِ وحدَهم.

«لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم»: مِلكانِ لا يَدفَعان

و«لن» تَنفي في الاستِقبالِ أن تُغني عنهم الأموالُ أو الأولاد. والغِنى من غ-ن-ي: غَورٌ يَحتَوي في الباطنِ ثمّ يَنبَعِثُ في امتِدادٍ يَكفي صاحِبَه، والنَّفيُ يَقطَعُ هذا الاكتِفاء. وقُدِّمَ «عنهم» فظَهَرَتِ الجِهةُ التي لا يُدفَعُ عنها، ثمّ جاءَ الفاعِلان: أموالُهم، ولا أولادُهم. وإضافةُ الاثنينِ إلى ضميرِهم تُثبِتُ قُربَ المِلكِ والنَّسَب، ومع ذلك لا يَعمَلانِ عَمَلَ الإغناءِ المنفي.

«مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا»: الأموالُ والأولادُ لا تُغني أيَّ مِقدار

و«من الله» تَصِلُ النَّفيَ بالمَجالِ الذي لا تَدفَعُ فيه الأموالُ والأولاد، فلا يَبقى الإغناءُ مَنفِيّاً على الإطلاقِ الغامض. ثمّ يأتي «شيئاً» نَكِرةً منصوباً، فيَستَغرِقُ أقلَّ مِقدارٍ يُتَصوَّرُ من الدَّفع. والشيءُ من ش-ي-ء انتِشارٌ يَسري ثمّ يَنطَبِقُ على واحِدٍ فيَتَعَيَّن، غيرَ أنَّه هنا داخِلٌ تحتَ النَّفي، فالمَنفيُّ كلُّ شيء، وبهذا يَجتَمِعُ المَصدَرُ والمِقدارُ ليَمنَعا أيَّ استِثناءٍ غيرِ ملفوظ.

«وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ»: النَّارُ تَصيرُ صُحبَة

وتَعطِفُ الواوُ الجَزاءَ على نَفيِ الإغناء، ويَعودُ «أولئك» إلى الموصولِ المحدَّدِ بالكُفر. والصُّحبةُ من ص-ح-ب إمساكٌ صُلبٌ يَدخُلُ احتِواءً باطناً ثمّ يَتَّصِلُ ويتمسَّك، فتَرسُمُ ملازَمةً لا لَحظةَ مرور، وإضافةُ «أصحاب» إلى النارِ تَجعَلُها مَحلَّ هذه الملازَمة. والنارُ مذكورةٌ مُعَرَّفة، فتَصيرُ هي نفسُها مَرجِعَ الضميرِ في الجُملةِ التالية، والإشارةُ تُبقي الحُكمَ على أصحابِ الفِعلِ الموصوف.

«هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ»: البَقاءُ داخِلَ النَّارِ لا يَنقَطِع

ويَظهَرُ «هم» ليُعيدَ أصحابَ النارِ إلى مركزِ الجُملة، ثمّ يُقَدَّمُ «فيها» فيَعودُ ضميرُ المؤنّثِ إلى النارِ الملفوظة. والخُلودُ من خ-ل-د اختِراقٌ يَتَعَلَّقُ ويمتَدُّ ثمّ يَثبُتُ تحتَ احتِباسٍ وضَغط. وصيغةُ «خالدون» تَعرِضُهم قائمينَ بالبقاءِ في استِمرار، ولا تَجعَلُه خَبَراً عابِراً عنهم. فالصُّحبةُ التي أثبَتَتها الجُملةُ السابقةُ تَنفتحُ هنا حَيِّزاً وزمناً: هم أصحابُها، وهم فيها باقون.


حَصيلة

تَحُدُّ الآيةُ أصحابَ الحُكمِ بصِلةٍ فِعليّة: الذين كفروا، ثمّ تَنفي أن يَدفَعَ عنهم أقربُ ما يُملَكُ ويُنسَب، الأموالُ والأولاد، أيَّ شيءٍ من الله. وبعدَ سقوطِ الإغناءِ تَصِلُهم الإشارةُ بصُحبةِ النار، ويَعودُ «فيها» إلى النارِ نفسِها، ويَحمِلُ اسمُ الفاعِلِ بَقاءً مستمرّاً. وكلُّ حُكمٍ في المَقطعِ مَربوطٌ بالموصولِ المقيَّدِ بفِعلِه، لا بجَماعةٍ أوسَع.