آل عمران · الآية 114

﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ

«يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»: الإيمانُ يَصِلُ باللهِ واليَومِ الآخِر

يَستَمِرُّ وصفُ الأمّةِ القائمةِ من الآيةِ السابقةِ بمضارعٍ جَمعيّ: يؤمنون. والإيمانُ من أ-م-ن انطِباقٌ يُمسِكُ ما في الباطِنِ ثمّ يَنفُذُ منه إلى الخارِج، وقد جاءَ أَوَّلَ الأَفعالِ الأَربَعةِ فصارَ أصلاً تَتَفَرَّعُ عنه بَقيّتُها، والمضارعُ يَجعَلُه حالاً متجدِّدةً، لا سابِقةً انقَضَت. والباءُ تَصِلُه بالله، ثمّ تَعطِفُ الواوُ اليومَ الآخرَ. والآخِرُ من أ-خ-ر: قَطعٌ يَنفُذُ ويَجري ثمّ يَمتَدُّ إلى ما يأتي بعد، فيُقيمُ حَدَّ المَآلِ داخلَ الثِّقة. وعَطفُ اليومِ الآخِرِ على اسمِ اللهِ بواوٍ واحدةٍ يَجعَلُ المَبدأَ والمُنتَهى مُتَعَلِّقَينِ بثِقةٍ واحدةٍ لا بثِقَتَين.

«وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ»: الثِّقةُ تَظهَرُ في تَوجيهَين

وعَطَفَتِ الواوُ على الإيمانِ فِعلَينِ مضارِعَين، فخَرَجَ الوَصفُ من الداخلِ إلى عَمَلٍ بينَ الناس. والمعروفُ من ع-ر-ف ما بَرَزَ من عُمقِه فانفَتَحَ للإدراكِ حتى صارَ مَعلوماً بينَ الناس، فوَقَعَ عليه العِرفانُ قبلَ أن يَقَعَ عليه الأمر. والنَّهيُ من ن-ه-ي احتِواءٌ يَفتَحُ مَجرىً خالياً ويمتَدُّ في صَرفِ الحَرَكة عن المنكر. والباءُ تُقَيِّدُ الأمرَ، و«عن» تُقَيِّدُ النَّهيَ، فلا يَبقى أيٌّ منهما سُلطةً بلا وِجهة.

«وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ»: المفاعلةُ تُدخِلُهم في حَيِّزِ السُّرعة

والفِعلُ الثالثُ المعطوفُ «يسارعون» يَحمِلُهم إلى حَرَكةٍ في الخَيرات، زيادةً على مَعرِفتِهم بها. والسُّرعةُ من س-ر-ع حَصرٌ يَجري مُستَرسِلاً ثمّ يَظهَرُ من العُمقِ دَفعاً متقدِّماً، وصيغةُ المفاعلةِ تُظهِرُ دُخولَهم النَّشِطَ في هذا السَّبق. وحرفُ «في» يَجعَلُ الخَيراتِ حَيِّزاً للحَرَكة، ولا يَقِفُ بها عندَ أن تكونَ غايةً بعيدة. والجَمعُ يُكثِّرُ وُجوهَ الخَير، فيَبقى الحَيِّزُ الذي يُسارِعونَ فيه أوسَعَ من أن يَنحَصِرَ في صورةٍ واحدة.

«وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ»: الصَّلاحُ جَمعُهم الأوسَع

وتَنتَقِلُ الواوُ من الأفعالِ إلى الحُكم، ويَعودُ اسمُ الإشارةِ إلى أصحابِ الثِّقةِ والأمرِ والنَّهيِ والمُسارعة. وجاءَ الخَبَرُ بـ«من»، فأدخَلَهم في جَمعِ الصالحينَ تبعيضاً وانتِساباً، ولم يُخبِرْ بأنَّهم الصالحونَ كلُّهم. والصَّلاحُ من ص-ل-ح إمساكٌ صُلبٌ يَتَعَلَّقُ ويمتَدُّ ثمّ يَنفُذُ خارجاً من الخَلَل، فيَحمِلُ استِقامةَ الحال. و«الصالحون» يَعرِضُ أصحابَه قائمينَ بالصَّلاحِ غيرَ واصِفينَ به أنفُسَهم، فيَعودُ الوَصفُ إلى الأفعالِ الأربعةِ التي سَبَقَته.


حَصيلة

تُتابِعُ الآيةُ تَفصيلَ الأمّةِ القائمةِ بخَمسِ حَرَكاتٍ متماسكة: ثِقةٌ بالله، وثِقةٌ باليومِ الآخر، وأمرٌ بالمعروف، ونَهيٌ عن المنكر، ومُسارعةٌ داخِلَ الخَيرات. والمضارعاتُ تُبقي الصِّفاتِ جارية، وحروفُ الجَرِّ تُثبِتُ وِجهاتِها وحدودَها. ثمّ تُشيرُ الآيةُ إلى أصحابِها وتَضعُهم «من الصالحين»، فتُدخِلُهم في جَمعِ الصَّلاح، ولا تَمنَحُهم احتِكارَه. ومِيزانُ التَّمييزِ الذي افتَتَحَه «ليسوا سواء» يَظهَرُ هنا أفعالاً.