آل عمران · الآية 148

﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

«فَآتَاهُمُ اللَّهُ»: الدُّعاءُ يَعودُ عَطاءً

تأتي الفاءُ بعدَ قولهم وطلبهم فتَربطُ الحركةَ السابقةَ بنتيجة: آتاهم الله. الإيتاءُ من أ-ت-ي إطلاقٌ يَبلغُ لقاءً دقيقاً ثمّ يمتدُّ إلى المتلقّي، فيَحملُ إيصالَ عطاءٍ حتى يَصل. والفعلُ الماضيُ يُثبتُ وقوعَ الإيتاء، وضميرُ الجمعِ يَردُّه إلى الجماعةِ الموصوفة، أمّا اسمُ الله المؤخرُ فهو الفاعل؛ فتَنسبُ الفاءُ الجزاءَ إلى عطاءِ الله الصريح.

«ثَوَابَ الدُّنْيَا»: الدُّنيا تَنالُ نَصيباً من الثَّواب

يأتي «ثواب الدنيا» مفعولاً لما آتاهم. الثوابُ من ث-و-ب تجمّعٌ دقيقٌ يَنعَقِدُ في احتواءٍ ثمّ يَتَّصلُ بصاحبِه، فيَحمِلُ مقابلاً يعودُ إلى الفاعل. والدنيا من د-ن-و دَفعٌ نافذٌ يَدخُلُ احتواءً جوفيّاً ثمّ يُفضي إلى قرب، فتَسمّي الجهةَ الأدنى أو الأقرب. والإضافةُ تَربِطُ الثوابَ بهذه الجهةِ فتُثبِتُ لهم مُقابلاً حاضِراً في الأقربِ لا مَوعوداً في غيرِه، وهذا وَحدَه جَوابُ ما طَلَبوه في دُعائِهم. وبخلافِ الشرطِ السابقِ لا تأتي «من» هنا؛ الفعلُ يُثبِتُ إيتاءَ الثوابِ المسمّى.

«وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ»: الآخِرةُ تَحمِلُ حُسنَ الثَّواب

تَعطفُ الواوُ مفعولاً ثانياً: حسنَ ثوابِ الآخرة. الحسنُ من ح-س-ن احتواءٌ يَجري في مجرىً دقيقٍ ثمّ يَنبعثُ إلى الخارج، فيَحملُ جودةً تظهرُ من داخلِ الشيء. وهو مضافٌ إلى «ثواب»، والثوابُ مضافٌ إلى «الآخرة» من أ-خ-ر، الجهةِ التي تأتي آخراً. وهكذا يَختصُّ العطاءُ الثاني بجودةِ الثوابِ في تلك الجهة.

«وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ»: الخاتمةُ تَنقُلُ من العطاءِ إلى العلاقة

وتَختِمُ الواوُ بجُملةٍ صَدرُها اسمُ الله، ويأتي المضارعُ «يحبّ» فيُجدِّدُ العلاقة. المحبّةُ من ح-ب-ب تضييقٌ يَتَّصلُ ويتمسّكُ ثمّ يُكثِّفُ تَكرارُ الباءِ ضغطَ الصِّلةِ وثباتَها. والمفعولُ «المحسنين» من ح-س-ن بصيغةِ الإفعالِ التي تُخرِجُ الحُسنَ إلى العملِ والغير. وقد وُصِفوا بالإحسانِ اسماً لا بفِعلٍ ماضٍ كما جاءَ الإيتاء، فالعَطاءُ وَقَعَ مرّةً وانقَضى لَفظُه، والإحسانُ قائمٌ فيهم؛ ولذلك جاءَت المَحبّةُ مضارِعاً يُجارِي دَوامَ الوَصفِ لا ماضياً يُقابِلُ العَطاء. لا تَختزلُ الجملةُ الإحسانَ في طلبِ الجزاء؛ تَصلُ أصحابَه بمحبةِ الله بعدَ ذكرِ ما آتاهم.


حَصيلة

تُجيبُ الفاءُ عن مسارِ الدعاءِ والثباتِ بإيتاءٍ فاعلُه اللهُ ومفعولُه الجماعة. آتاهم ثوابَ الدنيا كما سَمّاهُ اللفظُ، وآتاهم حُسنَ ثوابِ الآخرةِ فخصَّ المقابلَ الأخيرَ بوصفِ الجودة. تَحفظُ الإضافتانِ الجهتينِ من غير خلط، ويَظلُّ العطاءُ منسوباً إلى الله لا إلى استحقاقٍ مستقلّ. ثمّ تَنتقلُ الخاتمةُ من العطاءِ إلى المحبّة، وتَربطُها بالمحسنينَ الذين وُصِفوا بالقيامِ على إخراجِ الحُسنِ إلى الفعل.