آل عمران · الآية 182

﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ

«ذَٰلِكَ»: النَّتيجةُ تَعودُ إلى ما سَبَق

«ذلك» تَجمعُ ما سَبَقَ في عاقبةٍ واحدة: قَولُهم كُتِب، وقَتلُهم كُتِب، ثمّ جاءَ الأمرُ بذَوقِ عذابِ الحريق. والإشارةُ تَرُدُّ النتيجةَ إلى الطريقِ الذي أَوصَلَ إليها، ولا تَفتَحُ زمناً آخرَ ولا جزاءً غيرَ المذكور. والخطابُ يَبقى مع الجماعةِ التي سَمِعَت «ذوقوا»، فتَصِلُ الآيتينِ من غيرِ أن يَضيعَ أصحابُ الفعلِ بينهما، وهي تَكشِفُ خاتمةَ المَلفِّ المفتوح، غيرَ مُبتَدِئةٍ مَلفّاً جديداً.

«بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ»: الأَيدي تُقَدِّمُ ما يَعودُ عليها

و«بما» تَكشِفُ السَّبب: العاقبةُ وَجَدَت أمامَها ما دَفَعَته أيدي أصحابِها، ولم تَهبِطْ عليهم بلا طَريق. والتقديمُ من ق-د-م عَقدٌ يَثبتُ ثمّ يَضُمُّ ما يُرسَلُ إلى الأمام، والتضعيفُ في «قدَّمَت» يُعيدُ الدَّفعَ مرّةً بعدَ مرّة، فالفعلُ لا يَعبُرُ لحظةً ثمّ يَتلاشى. وإسنادُه إلى الأيدي يُلصِقُه بأصحابِه، أي أنّ ما صَنَعوه سَبَقَهم ثمّ لَقِيَهم، وتَبقى نسبةُ العملِ إليهم بينَ الإرسالِ واللِّقاءِ محفوظةً لا تَنقطِع.

«وَأَنَّ اللَّهَ»: العَملُ والعَدلُ يَلتَقيان

ثمّ تَصِلُ الآيةُ بالعملِ حقيقةَ العدل: «وأنّ الله»، ولا تَترُكُه وحدَه في المَشهد. وما قَدَّمَتِ الأيدي يَحفَظُ نسبةَ الفعلِ إلى أصحابِه، وما يَأتي بعدَ اسمِ الله يَنفي أن تكونَ العاقبةُ جوراً عليهم. وبهذا يَلتقي الطرفانِ من غيرِ أن يَبتلعَ أحدُهما الآخر: الفعلُ فعلُهم، والجزاءُ لا يَخرُجُ عن العدل، فلا تُستَعمَلُ المشيئةُ ستراً يَمحُو ما اكتسبوه بأيديهم.

«لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ»: الظُّلمُ مَنفيٌّ أَصلاً وكَثافة

«ليس بظلّام» نَفيٌ مُحكَمٌ لا يَترُكُ للظلمِ باباً أخفَّ يَدخُلُ منه. والظلمُ من ظ-ل-م غِطاءٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ ويَحوزُه فيُمسِكُه في باطِنِه ويَحبِسُه عن حَقِّه، و«ظلّام» تَحمِلُ كثافةَ الفعلِ وتكرارَه، فإذا نُفِيَت لم يَثبُت أصلُ الظلمِ في درجةٍ دونها. والنفيُ يَبلُغُ «العبيد» كلَّهم: مَن ثَبَتَ في العبوديّةِ لا يَلحَقُه من اللهِ حَبسٌ عن الحقّ ولا حَجبٌ له، وتَدخلُ كثرةُ العبيدِ كلُّها في هذا النفيِ على إحكامِه الواحد.


حَصيلة

العاقبةُ لا تأتي غريبةً عن الطريق، وما دَفَعَته الأيدي أمامَها يَعودُ عليها ويَحفظُ لكلِّ فعلٍ صاحبَه. وفي اللحظةِ نفسِها يَقومُ الجزاءُ داخلَ نَفيٍ كاملٍ للظلمِ عن الله، فلا تُوهِمُ كثافةُ «ظلّام» أنّ ما دونَها مُمكن. ويَبقى الفعلُ منسوباً إلى أيدي أصحابِه، ويَبقى رُجوعُه عليهم داخلَ العدل، وهكذا يَلتقي في الآيةِ السَّببُ والعدل.