آل عمران · الآية 183

﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ

«الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا»: الدَّعوى تَبقى عندَ قائِليها

يَتَّصلُ الموصولُ بالفئةِ السابقة، وتَعرِفُه صلتُه بفعلِ القول. يبدأُ الاقتباسُ بتوكيدِ «إنّ» ثمّ يَجعلُ اللهَ فاعلَ «عهد» والضميرَ متلقّياً بـ«إلينا». العهدُ من ع-ه-د ظهورٌ من العُمقِ يَجري في فراغٍ ثمّ يَثبتُ بضغط، فيَحمِلُ التزاماً مضبوطاً. لكنّ النصَّ لا يُقِرُّ الدعوى بمجردِ نقلِها؛ الجوابُ اللاحقُ يَختبرُها بما جاءَهم وبما فعلوا.

«أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا»: الإيمانُ مُؤَجَّلٌ إلى العلامةِ المَطلوبة

المصدرُ المؤوّلُ «ألّا نؤمن» متعلَّقُ العهدِ المدَّعى، واللامُ تَربِطُ الإيمانَ برسولٍ نكرة. «حتى» تَضعُ غايةً لهذا الامتناع: أن يأتيَهم الرسولُ بشيءٍ تُعيِّنُه الصلةُ التالية. صيغةُ الاسمِ تَحملُ ما يُقرَّب، فالشيءُ المطلوبُ في اللفظِ شيءٌ يُقرِّبُه آتٍ. ويَقومُ شرطُهم المنقولُ على ثلاثةِ حدود: رسولٌ، وإتيانٌ، وشيءٌ مقرَّبٌ تَصِفُه الجملةُ التالية.

«تَأْكُلُهُ النَّارُ»: أَكلُ النارِ يَبقى داخِلَ الدَّعوى

الجملةُ تَصفُ الشيءَ السابق: تأكله النار. الأكلُ من أ-ك-ل إطلاقٌ يَدخلُ كَتماً وامتساكاً ثمّ يَتعلّقُ بالمأكول، فيَحمِلُ استهلاكاً يُدخِلُ الشيءَ في الآكل. الهاءُ مفعولٌ يعودُ إلى الموصوفِ السابق، والنارُ فاعلٌ معرّف. فالجملةُ تَصفُ ذلك الشيءَ بأكلِ النارِ له، فتَجعلُ العلامةَ المطلوبةَ حَدثاً يَقعُ على الشيءِ نفسِه. هي جزءٌ من القولِ الذي نسبَه النصُّ إلى القائلين، وسيُقابَلُ بالرسلِ الذين جاءوا بما قالوا.

«قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي ... فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ»: الجوابُ يَختبرُ الدعوى بالفعل

يأتي الأمرُ للمخاطَبِ المفردِ «قل»، ثمّ تُثبِتُ «قد» مجيءَ رسلٍ قبلَه. الرسلُ نكرةٌ جمع، وجاءوا بالبيّناتِ وبالذي قاله المخاطَبون، فاجتمعَ في مجيئِهم البرهانُ العامُّ والشرطُ الذي طَلبوه بعينِه. الفاءُ تُنتجُ سؤالاً: فلم قتلتموهم. ضميرُ المفعولِ يعودُ إلى الرسل، والفاعلُ جمعُ الخطاب. والسؤالُ يَضعُ فعلَ القتلِ بإزاءِ الادّعاءِ أنّ العلامةَ المطلوبةَ كانت حدَّ الإيمان.

«إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ»: الصِّدقُ يُواجِهُ الفِعلَ السّابِق

تَختمُ «إن» بشرطٍ يَربطُ سؤالَ القتلِ بكونِهم صادقين. الصدقُ من ص-د-ق إطباقٌ صُلبٌ يَدفعُ نافذاً ثمّ يَنعَقِدُ في العُمق، فيَحمِلُ مطابقةً ثابتة. ومجيءُ «صادقين» اسمَ فاعلٍ جمعيّاً يَنسبُ الصدقَ إليهم وَصفاً قائماً بهم، لكنّ الشرطَ لا يَشهدُ لهم به؛ يَختبرُه أمامَ مجيءِ الرسلِ بما قالوا ثمّ قتلِهم. فالحجّةُ قائمةٌ في تناقضِ القولِ والفعل: شرطٌ قيلَ، وقد وُفِّيَ به، ثمّ وقعَ القتل.


حَصيلة

تَنقلُ الآيةُ دعوى فئةٍ أنّ اللهَ عهدَ إليهم ألّا يؤمنوا لرسولٍ حتى يأتيَ بشيءٍ تأكلُه النار، وتَحفظُها قولاً منسوباً لا حقيقةً مقرَّرة. ثمّ يأتي الجوابُ: رسلٌ قبلَ المخاطَبِ جاءوا بالبيّناتِ وبالذي قالوه، فلمَ قتلوهم إن كانوا صادقين؟ ويَقومُ الجوابُ على ما جاءَ به الرسلُ: بيّناتٌ، والشيءُ الذي سمّاه القائلونَ أنفسُهم. يَنقلُ الشرطُ الامتحانَ من علامةٍ يَطلبونها إلى مطابقةِ دعواهم بفعلِهم، فتَظهرُ الحُجّةُ من ترتيبِ النصِّ نفسه.