آل عمران · الآية 74
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«يَخْتَصُّ»: الفِعلُ يَفصِلُ نَصيباً من مَجالٍ واسِع
يَجيءُ الفِعلُ بَعدَ خِتامِ الآيةِ السّابقةِ بالسَّعةِ والعِلم، فيَمنَعُ أن تُفهَمَ السَّعةُ تَوزيعاً بلا تَمييز. الاختِصاصُ من خ-ص-ص اختِراقٌ يَبلُغُ حَيِّزاً صُلباً مَمسوكاً، ثمّ يَتَكرَّرُ الحَرفُ فيُضاعِفُ الحَصرَ والضَّغطَ في المَمرّ. وصيغةُ الافتِعالِ تَحمِلُ تَوجُّهَ الفِعلِ إلى اختيارِ نَصيبٍ وتَمييزِه. وجاءَ مُضارِعاً، فيَعرِضُ الاختِصاصَ فِعلاً جارياً لا حادِثةً ماضِيةً أُغلِقَ بابُها. ويَتَأخَّرُ المَفعولُ الذي يَبلُغُه الفِعلُ حتى تَأتي صِلةُ «مَن» فتُعَيِّنَه.
«بِرَحْمَتِهِ»: الاختِصاصُ يَقَعُ برَحمةٍ مُضافةٍ إلى الله
تَصلُ الباءُ الفعلَ بالرحمة، ويُضيفُها الضميرُ إلى الله. الرحمةُ من ر-ح-م جريانٌ مسترسلٌ يدخلُ في احتواءٍ باطنٍ مضيّق، ثمّ يجتمعُ على المرحومِ ويلتصقُ به. فهي عنايةٌ تبلغُ المحلَّ فتحتويه، والإضافةُ تحفظُ مصدرَها في اللهِ بينما يَبقى الاختصاصُ مقيّداً باسمِ الرحمةِ الواسع.
«مَن يَشَاءُ»: المَحلُّ يُفتَحُ وتَحمِلُه المَشيئة
تَجعلُ «مَن» المفعولَ عاقلاً مفتوحَ الهوية، ثمّ تَصله بالمشيئة. المشيئةُ من ش-ي-أ حصرٌ يمتدُّ في سريانٍ ليّن، ثمّ يبلغُ قطعاً وانطباقاً يُخرجُ الإمكانَ إلى اختيار. ويَستمدُّ هذا الاختيارُ سياقَه من السعةِ والعلمِ السابقين ومن امتلاكِ الفضلِ العظيمِ اللاحق، فتَغدو «مَن» موضعَ اختصاصٍ مصدرُه مشيئةٌ موصولةٌ بهذه الصفات.
«وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ»: المَشيئةُ تَصدُرُ عن مِلكٍ عظيم
وتَجيءُ الخاتِمةُ بجُملةٍ يُقَدَّمُ فيها اسمُ اللهِ ثمّ يُوصَفُ بأنّه «ذو الفضل». الفَضلُ من ف-ض-ل مَجالٌ يَنفتِحُ ثمّ يَضمُّ زِيادةً ذاتَ ثِقَل، وتَمتَدُّ اللامُ بها إلى مَحلِّها. و«ذو» تُثبِتُ المِلكَ والصُّحبةَ الثّابتة. أمّا العظيمُ من ع-ظ-م فظُهورٌ من العُمقِ يَلقَى حَجباً غاشياً ثمّ يَجتَمِعُ حتى يَملأَ المَجال؛ وصيغةُ «فعيل» تُقيمُ العِظَمَ صِفةً راسِخة. فالاختِصاصُ لا يَخرُجُ من نُدرةٍ في المَصدَر، بل من صاحِبِ فَضلٍ موصوفٍ بالعِظَم.
حَصيلة
تَجمعُ الآيةُ بينَ تَمييزِ المَحلِّ وسَعةِ المَصدَر. «يختصّ» يَفصِلُ نَصيباً ويُحكِمُ وُصولَه، والباءُ تَجعَلُ الرَّحمةَ هي ما يَقَعُ به الاختِصاص. ثمّ تَترُكُ «مَن» المَحلَّ مفتوحاً لمَشيئةِ الله، فتَكونُ المَشيئةُ هي العِلّةَ مَوصولةً بالسَّعةِ والعِلمِ قَبلَها وبالفَضلِ العَظيمِ بَعدَها. وتَأتي الجُملةُ الاسميّةُ في الخِتامِ فتَمنَعُ فَهمَ الاختِيارِ على أنّه صادِرٌ من ضِيق: الله ذو الفَضل، والفَضلُ عظيم. فالتَّخصيصُ في المَحلِّ لا يَنقُضُ السَّعةَ في المِلكِ والمَصدَر.