آل عمران · الآية 73

﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ

«وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ»: الثِّقةُ تُحاصَرُ بالانتِساب

تَستَمِرُّ الجُملةُ في سِياقِ القولِ المَنقول، فتَربِطُ الواوُ نَهياً بالأَمرَينِ السّابقَين. والإيمانُ من أ-م-ن تَهَيُّؤٌ يَستَقِرُّ في احتِواءٍ داخِليٍّ ثمّ يَنفُذُ أَثَرُه إلى المَوقِف. وقد وَرَدَ في هذا النَّهيِ مَوصولاً باللّامِ لا بالباء: «ولا تُؤمِنوا إلّا لِمَن تَبِعَ»، فصارَ التَّصديقُ مُوَجَّهاً إلى شَخصٍ قَبلَ أن يُوَجَّهَ إلى مَضمونِ قَول. لكنّ النَّفيَ والاستِثناءَ يَحصرانِ هذه الثِّقةَ في «مَن تَبِعَ دينكم». الاتِّباعُ من ت-ب-ع يَحمِلُ النواةَ المَجَمَّدةَ «إمساكٌ ضعيفٌ يُفلِتُ ما تَجمَّع»؛ وبالعَينِ يَبرُزُ من العُمقِ أَثَرٌ يُلاحَق. فالقَيدُ لا يَزِنُ المَقولَ بذاتِه، بل يَزِنُ صاحِبَه بكونِه سائراً في أَثَرِ الدِّينِ المضافِ إليهم.

«قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ»: القَولُ يَرُدُّ الوِجهةَ إلى مَصدَرِها

يَقطَعُ الأَمرُ «قل» تَتابُعَ الكلامِ المَنقول، ثمّ يأتي بتَوكيدٍ يَعرِفُ الهُدى في الطَّرَفَين. الهُدى من ه-د-ي مَجرىً خالٍ يَدفَعُ نافِذاً في وِجهة، ثمّ تَمُدُّ الياءُ سَريانَه بلِين. وإضافةُ «هدى الله» تَمنَعُ الوِجهةَ من أن تُملَكَ لاسمِ جَماعةٍ أو تُحبَسَ في أَثَرِ مَن تَبِعَها. فالمِعيارُ الذي كانَ الانتِسابُ يَحصرُه يُرَدُّ إلى الله: الهُدى الذي يَستَحِقُّ اسمَه هو الهُدى المضافُ إلى مَصدَرِه.

«أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ ... أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ»: عَطاءٌ ومُحاجّةٌ تحتَ مَشهَدِ الرَّب

تَضعُ «أن» احتمالَ أن يُؤتَى أَحدٌ مِثلَ ما أُوتوا، ثمّ تَعطِفُ عليه المُحاجّةَ عندَ الرَّب. الإيتاءُ من أ-ت-ي قَطعٌ مُتَهَيِّئٌ يَبلُغُ تمامَه ثمّ يَمتَدُّ إلى مَن يَتَلَقّاه؛ فالعَطاءُ يَصِلُ ولا يَبقى حبيسَ مُعطيه. والمُحاجّةُ من ح-ج-ج حُجّةٌ تَبرُزُ وتَتَجَمَّعُ في مُقابَلةِ حُجّة. «عند ربكم» تَضَعُ المُقابَلةَ في حَضرةِ الرِّعايةِ والحُكم، فلا يَبقى العَطاءُ أو الجِدالُ مِلكاً مُغلَقاً للطَّرَفِ الذي يُخاطَب.

«قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ»: العَطاءُ يَرجِعُ إلى اليَدِ والمَشيئة

يَعودُ «قل» للمرّةِ الثانيةِ فيَفتَحُ توكيداً. الفَضلُ من ف-ض-ل شَقٌّ يَفتَحُ مَجالاً ثمّ يَضمُّ فيه زِيادةً ثَقيلة، وتَمتَدُّ اللامُ بها إلى مَحلِّها؛ فهو عَطاءٌ يَزيدُ على الحَدّ. وجاءَ «بيد الله» فيَجعلُ الفَضلَ تحتَ مِلكِ التَّصرُّفِ والقُدرة، ثمّ يُعيدُ الإيتاءَ: «يؤتيه من يشاء». فالمَشيئةُ نَفسُها هي العِلّةُ التي سَمّاها النَّصّ، وبها يُثبِتُ أنّ مَصدَرَ الفَضلِ ومَجرى إيصالِه في يَدٍ خارِجَ حَوزِ مَن حاوَلَ حَصرَ الثِّقةِ في أَتباعِه.

«وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ»: السَّعةُ تَمنَعُ الحَصرَ والعِلمُ يَمنَعُ العَشواء

تَختِمُ الواوُ بجُملةٍ اسمِيّة. السَّعةُ من و-س-ع إحاطةٌ تَنعَقِدُ في مَجرىً دَقيقٍ ثمّ تَظهَرُ من العُمقِ فَتَفتَحُه؛ و«واسع» اسمُ فاعِلٍ يُقيمُ السَّعةَ عامِلةً في الإيتاءِ نَفسِه، فلا تَكونُ وَصفَ مَدحٍ مُنفَصِلاً عن العَطاء. والعِلمُ من ع-ل-م ظُهورٌ يَمتَدُّ مُتَعَلِّقاً بمَعلومِه ثمّ يَجتَمِعُ في علامةٍ مَمسوكة، و«عليم» يُقيمُه صِفةً راسِخة. اقترانُهما يَمنَعُ فَهمَ الفَضلِ حَصراً ضَيِّقاً أو تَوزيعاً بلا عِلم: اليَدُ واسِعةٌ، والإيتاءُ مَعلومُ المَحل.


حَصيلة

يَبدأُ المَسارُ بمحاوَلةِ حَصرِ الثِّقةِ في مَن تَبِعَ ديناً مضافاً إلى جَماعة، ثمّ يَأتي «قل» فَيَرُدُّ الهُدى إلى الله. ويَعرِضُ احتمالَ إيتاءِ الآخَرينَ مِثلَ ما أُوتي المُخاطَبونَ أو مُحاجّتِهم عندَ الرَّب، ثمّ يَعودُ «قل» فيَحسِمُ مَصدَرَ الفَضل: هو في يدِ الله ويُؤتيه مَن يَشاء. وتَمنَعُ الخاتِمةُ الحَصرَ من جِهتَينِ، بسَعةٍ فاعِلةٍ وعِلمٍ راسِخ. فالهُدى والفَضلُ لا يَصيرانِ مِلكاً لجَماعةٍ لأنّها تَداوَلَت لَفظَهما.