قريش · الآية 2

﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ

«إيلافِهم»: تَكرارُ الكَلِمَةِ يَنزِلُ بها مِن المَفهومِ إلى الواقِع

التَّكرارُ في «إيلاف» مَرَّتَين على آيَتَين مُتَتاليَتَين مَوضِعُ نَظَر. القاعدَةُ البَلاغيَّةُ المَعروفَةُ تَقولُ: التَّكرارُ يُنَزِّلُ المَعنى. الأُولى أَطلَقَت الكَلِمَة، والثانيةُ تُحَدِّدُ تَطبيقَها. الإيلافُ في الأُولى مَفهومٌ، وفي الثانيةِ مَوضِعٌ مَعلوم: رِحلَةَ الشِّتاءِ والصَّيف.

وفي الإضافَةِ «إيلافِهم» يَتَلقَّفُ القارئُ ضَميرَ الغَيبَة: ليس إيلافاً مُجَرَّداً، بل إيلافٌ نُسِبَ إليهم. كأنّ السورةَ تُذَكِّرُهم: هذا الذي تَمشونَ فيه ليس قانوناً سَماويّاً مُعَمَّماً، بل عَطيَّةٌ خَصَّكم بها مَن أعطى. الفَيلُ ما جاءَ ضِدَّ غَيرِكم. والقَوافِلُ ما تَأمَنُ في غَيرِ مَمَرِّكم. الإيلافُ، بهذا الضَّمير، يَصيرُ نِعمَةً مُسَمّاة.

ومَن لم يَنتَبِه إلى نِعمَتِه، نَزَلَ عَلَيه مَن يُذَكِّرُه. وقُرَيشٌ كانَت تَنسى. كانَت تَرى الإيلافَ كأنّه مِن صُنعِها، فَجاءَتِ السورةُ تُسَمّيه باسمِ الفاعِل: ليس الذي وَضَعَ الشَّبَكَةَ هم، بل الذي يُذَكِّرُهم بها الآن.

«رِحلَة»: حَلٌّ ورَبطٌ، بَيتٌ يَتَفَكَّكُ ويَنعَقِد

الرِّحلَةُ في اللسانِ من جَذرِ ر-ح-ل، وأصلُه فِعلُ المُسافِرِ بمَتاعِه: يَحُلُّ ما رَبَطَه بالأرضِ، ويَرحَلُ به إلى مَكانٍ آخَر فَيَربِطُه. والرَّحلُ نَفسُه هو المَتاعُ المَربوطُ على ظَهرِ البَعير. فالرِّحلَةُ في جَذرِها حَركَةُ رَبطٍ يَتَنَقَّل. ليست انتِقالاً فَرديّاً (كالسَّفَر)، بل تَنَقُّلَ بَيتٍ بكامِلِه على ظَهرِ راحِلَة.

ولذلك كانَ الإيلافُ مَوضوعاً في الرِّحلَة. كلُّ مَنزِلَةٍ تُحَلُّ فيها الرَّحالُ تَحتاجُ إلى عَهدٍ مَع أهلِها، وكلُّ مَوضِعٍ تُربَطُ فيه الجِمالُ يَحتاجُ إلى أمانٍ مَع جَوارِه. القافِلَةُ في الصَّحراءِ ليست عابِرَةً عابِرَة، بل ضَيفَةٌ مُتَكَرِّرَة. والإيلافُ هو ما يَجعَلُ الضِّيافَةَ مُتَكَرِّرَةً سَنَواتٍ بعد سَنَوات، فيَكونُ المَوضِعُ الذي تَحُلُّ فيه القافِلَةُ مَوضِعَ أُلفَة.

وفي البَقَرَةِ صورَةٌ تُقابِلُ هذه الصورَةَ مِن وَجهٍ آخَر: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾. هَهُنا قَومٌ أُهدِيَت إليهم القَريَةُ مَفتوحَةً، فَدَخَلوها سَيِّئي الأَدَب. الفاتِحَةُ تَقولُ ما يَستَحِقُّ القَومُ أن يُذَكَّروا به، والبَقَرَةُ تُري ما يَحدُثُ حين تُنسى النِّعمَةُ. وقُرَيشٌ في حالِ النِّعمَةِ المَوضوعَةِ، تَخشى السورةُ عَلَيها أن تَدخُلَ في الحالِ الثاني.

«الشِّتاءِ والصَّيف»: قَطبانِ يَجمَعانِ السنَةَ كلَّها

اختِيارُ هذَين الفَصلَين دونَ غَيرِهما اختيارٌ بَليغ. الرَّبيعُ والخَريفُ فُصولٌ انتِقاليَّة، أمّا الشِّتاءُ والصَّيفُ فهما القُطبان. الحَرارَةُ القُصوى والبُرودَةُ القُصوى. القَبضُ التامُّ والبَسطُ التام. في الفَصلَين تَنَقُّلٌ كامِل، وفي الإيلافِ شَبَكَةٌ كامِلَة.

والآيةُ بهذه الصياغَةِ تُلَخِّصُ السنَةَ في كَلِمَتَين. لا فُصولٌ أربَعَة، بل قُطبان. كأنَّ الزَّمَنَ نَفسَه قد طُويَ في رِحلَة. ومَن قَرَأَ هذا التَّلخيصَ بصَبرٍ وَعى أنَّ الكَلِمَتَين تَحمِلانِ ما يَفوقُ الفَصلَين: الشِّتاءُ كلُّ ما يَنقَبِضُ ويَنزَوي، والصَّيفُ كلُّ ما يَنبَسِطُ ويَنشَر. وقُرَيشٌ تَمشي بَين القَبضِ والبَسط، وفي كِلا الحالَين يُحفَظُ إيلافُها.

والذي وَزَّعَ الفَصلَين على السنَة هو نَفسُه الذي وَزَّعَ المَنازِلَ على القافِلَة. لَم تُذكَر «رِحلَةُ الشِّتاءِ» وحدَها، ولا «رِحلَةُ الصَّيف» وحدَها، بل الإيلافُ يَتَناوَلُهما مَعاً: رِحلَةَ الشِّتاءِ والصَّيف في إضافَةٍ واحدَة. القافِلَتان في الواقِعِ قافِلَةٌ واحدَةٌ تَتَناوَبُ. والشَّبَكَةُ التي تَحرُسُ كِلتَيهما شَبَكَةٌ واحدَة.

وكأنَّ السورةَ في آيَتَيها الأُوليَين تَرسُمُ الإطارَ كامِلاً: لامٌ مُعَلَّقَةٌ في الأُولى، وإيلافٌ مَوضوعٌ في الثانية. القارئُ الآنَ يَعرِفُ مَوضِعَ النِّعمَة. لم يَبقَ إلّا أن يَعرِفَ مَن يَستَحِقُّ الجَواب.


حَصيلة

يُعيدُ الجَذرُ أ-ل-ف نَفسَه مَرَّةً ثانيَة: «إيلافِهم». التَّكرارُ يُنَزِّلُ المَعنى من المَفهومِ إلى الواقِع. الأُولى أَطلَقَت الكَلِمَة، والثانيةُ تُحَدِّدُ مَوضِعَها: رِحلَةَ الشِّتاءِ والصَّيف. «الرِّحلَة» (ر-ح-ل) حَلٌّ ورَبطٌ مُتَكَرِّر، بَيتٌ يَتَفَكَّكُ في مَنزِلَةٍ ويَنعَقِدُ في أُخرى. الإيلافُ مَنسوجٌ في خَطوَةِ الجَمَلِ ورَبطَةِ العِقال. ثمّ الفَصلانِ القُطبانِ: الشِّتاءُ كلُّ ما يَنقَبِض، والصَّيفُ كلُّ ما يَنبَسِط. القافِلَةُ تَمشي بَين القَبضِ والبَسط، والإيلافُ يَحفَظُها في كِلا الحالَين. السنةُ كلُّها رِحلَتان. وقُرَيشٌ كلُّها قافِلَتان. والذي وَزَّعَ الفُصولَ على الزَّمَنِ هو الذي وَزَّعَ المَنازِلَ على القافِلَة.