قريش · الآية 3

﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ

الفاءُ التَّرتيبيَّة: الإيلافُ يَستَدعي الإجراء

والفاءُ في «فَلْيَعبُدوا» تُكَمِّلُ اللامَ التي افتَتَحَتِ السورة، فقد كانَتِ الأُولى مُعَلَّقَة، والثانيةُ تُنَزِّلُها: لِإيلافِ قُرَيش... فَلْيَعبُدوا، وهذا تَركيبٌ بَليغٌ في العَرَبيَّةِ يَتَقَدَّمُ فيه التَّعليلُ ويَتَأَخَّرُ المُعَلَّل، وكأنَّ السورةَ تُريدُ أن يُفَكِّرَ القارئُ في النِّعمَةِ قَبلَ أن يَسمَعَ الأمر، ليَأتيَ الأمرُ على قَلبٍ غَيرِ فارِغ، يَعرِفُ أنَّ ما تَحتَه مَوضوعٌ بِيَدٍ غَيرِه.

وفي البَقَرَةِ صورَةٌ مُماثِلَة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، وهَهُنا أيضاً يُقرَنُ الأمرُ بما يُعَلِّلُه، وإن جاءَ التَّعليلُ بَعدَه: ربٌّ خَلَقَ فيَستَحِقُّ العِبادَة. والآيَتانِ مُتَوازيَتان، فالتَّعليلُ في البَقَرَةِ بالخَلق، وفي قُرَيشٍ بالإيلاف، والخَلقُ نِعمَةُ كلِّ إنسان، والإيلافُ نِعمَةُ قُرَيشٍ خاصَّة، والكتابُ يَعرِفُ كَيفَ يُذَكِّرُ كلَّ قَومٍ بنِعمَتِه التي يَراها.

والفاءُ هنا فاءُ المُترَتِّب، فما بَعدَها لازِمٌ لِما قَبلَها لِمَن أَنصَف، ومَن أَخَذَ ولم يُعطِ شَيئاً مُقابِلَ ما أَخَذَ فقد كَفَرَ النِّعمَة. والكُفرُ في اللسانِ تَغطيَة، ومَن أَخَذَ نِعمَةً ثمّ غَطّاها بِنَفسِه فكأنَّه ما أَخَذ، والفاءُ تَطلُبُ ألّا تُغَطّى.

«رَبَّ هذا البَيت»: تَسميَةٌ بالأَخَصِّ مِن الصِّفات

و«ربّ» اسمٌ مادّتُه ر-ب-ب، وهي تَدورُ على التَّربيَةِ المُلازِمَة، والآيَةُ تُقَيِّدُ هذا الرَّبَّ بإضافَةٍ هَيِّنَةٍ في اللَّفظ، عَميقَةٍ في المَعنى: رَبَّ هذا البَيت. وعُدِلَ عن «رَبَّكم» (كما في البَقَرَة)، وعن «رَبِّ العالَمين» (كما في الفاتِحَة)، إلى الصِّفَةِ الأَخَصِّ بقُرَيش: الذي يَتَعَهَّدُ هذا البَيتَ الذي تَعرِفونَه.

وفي اختيارِ هذه الصِّفَةِ بَلاغَةٌ نَفسيَّة، فقُرَيشٌ تَعرِفُ هذا البَيتَ وما حُفِظَ به، ومَن نَجا بحِفظٍ يَنبَغي أن يَعرِفَ مَن حَفِظَه، والآيةُ تُسَمّي الرَّبَّ بأَخَصِّ ما يُعرَفُ بهِ في عُيونِ قُرَيش، وهو أنَّه حافِظُ هذا البَيت، وكأنَّ السورةَ تَقولُ: لا تَبحَثوا عن إِلَهٍ بَعيد، فعِبادَتُكم لِمَن قد رَأَيتُم أَثَرَه في بَيتِكم.

ولذلك جاءَ اسمُ الإشارَةِ القَريبَةِ «هذا» دونَ «ذلك»، فالبَيتُ بَيتٌ مَرئيٌّ تَدورُ حَولَه قُرَيشٌ كلَّ يَوم، والصِّفَةُ تَلتَقي بمَوضوعِها في إشارَةٍ يَدَويَّة: هذا البَيت، وربُّه هو الذي تَعبُدون.

«فَلْيَعبُدوا»: تَذليلُ الإرادَةِ في طَريقٍ مَوطوء

ومَدارُ ع-ب-د في اللسانِ على الانقيادِ المُلازِم، و«عَبَّدَ الطَّريقَ» ذَلَّلَه بالدَّوسِ حتى صارَ مَمَرّاً مَفتوحاً تَمشي عَلَيه القَدَمُ بِلا عائق، والعَبدُ في أصلِ اللَّفظِ مَن ذُلِّلَت إرادَتُه كما يُذَلَّلُ الطَّريق، فانقادَت في وَجهَةٍ واحدَةٍ وصارَت سَهلَةَ الانقيادِ بِلا تَنازُع.

وقُرَيشٌ تَعرِفُ الطَّريقَ المُعَبَّدَ أكثَرَ ممّا يَعرِفُه غَيرُها، فكلُّ رِحلَةٍ شِتاءً أو صَيفاً تَمشي على طَريقٍ عَبَّدَتهُ أَقدامٌ من قَبلِها، والطَّريقُ المُعَبَّدُ هو الذي لا يُضَلُّ فيه ولا يُوعَر. والآيةُ تَطلُبُ هذا التَّذليلَ نَفسَه في الإرادَةِ دونَ الأرض: كما عَبَّدتُم طُرُقَكُم فعَبِّدوا طَريقَ القُرب، وكما تَأمَنونَ في سَيرِكُم بمَعرِفَةِ المَسلَكِ فآمِنوا على أَنفُسِكم بمَعرِفَةِ الوَجهَة.

وفي البَقَرَةِ يَقولُ النَّصُّ بِنَبرَةٍ مُقابِلَة: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾، فالقَومُ يَعبُدونَ ما عَبَدَ آباؤُهم بلا تَعقُّل، والآيةُ تُصَحِّحُ مَوضِعَ التَّعَبُّد: رَبَّ هذا البَيت، لا البَيتَ نَفسَه، ومَوضوعُ التَّعَبُّدِ مالِكُ المَكان، لا ما عُلِّقَ على جُدرانِه.


حَصيلة

بَعدَ آيَتَينِ من التَّعليلِ تَنزِلُ الفاءُ بِالجَوابِ في «فَلْيَعبُدوا»، وحَرفُ الفاءِ يَجمَعُ ما تَفَرَّقَ ويَدفَعُه إلى نَتيجَة. و«يَعبُدوا» (ع-ب-د) من تَذليلِ الطَّريقِ بالدَّوسِ حتى يَصيرَ مَمَرّاً مَفتوحاً، فالعِبادَةُ تَذليلُ الإرادَةِ حتى تَسيرَ بِلا عائِق، وقُرَيشٌ تَعرِفُ الطَّريقَ المُعَبَّدَ في رِحلاتِها أكثَرَ من غَيرِها. أمّا التَّسمِيَةُ فبِأَخَصِّ الصِّفات: «رَبَّ هذا البَيت» (ر-ب-ب)، وقد عُدِلَ عن «اللهَ» مُطلَقاً، وعن «رَبَّكم» عامّاً، إلى الذي يَتَعَهَّدُ البَيتَ المَرئيَّ بالعَينِ يَوماً بَعدَ يَوم. واسمُ الإشارَةِ القَريبَةِ «هذا» دَليلٌ يَدَويٌّ على أنَّ البَيتَ مَرئيٌّ، وأنَّ ربَّه مَنسوبٌ إليه بِلا وَسيط، ومَن دارَ حَولَ البَيتِ يَنبَغي أن يَعبُدَ مَن دارَ عَلَيه.