قريش · الآية 1

﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ

«لِـ»: لامٌ مُعَلَّقَة، تَنتَظِرُ جَوابَها في الآية الثالثة

اللامُ هنا تَحتَمِلُ وَجهَين بَليغَين في تَركيبِ النَّصّ، وفي الاحتِمالِ المُزدَوَجِ نَفسِه يَكمُنُ سِرُّ السورة. هل هي لامُ التَّعليلِ المُتَّصِلةُ بما قَبلَها (سورة الفيل): فَعَلَ بأصحابِ الفيلِ ما فَعَلَ لأجلِ إيلافِ قُرَيش؟ أم هي لامُ التَّعليلِ المُتَّصِلةُ بما بَعدَها: لأجلِ إيلافِ قُرَيش، فَلْيَعبُدوا رَبَّ هذا البَيت؟

والقِراءَتانِ كِلتاهُما صَحيحَتان، ولا يُلغي إحداهما الأُخرى. السورةُ مُعَلَّقَةٌ على هذه اللامِ كأنَّها مِفصَلٌ يَلتَفِتُ في الجِهَتَين. إن نَظَرتَ إلى الوَراءِ رَأَيتَ الفيلَ يَسقُطُ لِأَجلِ هذا الإيلاف. وإن نَظَرتَ إلى الأمامِ سَمِعتَ الأمرَ يَنزِلُ لأَجلِ هذا الإيلاف. اللامُ نَفسُها هي ما يَجمَعُ السورَتَين في قَوسٍ واحد.

والجُملةُ بهذا التَّعليقِ تُربّي الإصغاء: لا تَتلَقّى المَعنى دَفعَةً واحدة، بل تَنتَظِر. مَن أراد أن يَفهَمَ سورةَ قُرَيش، فَلْيَكُفَّ عن طَلَبِ الجَوابِ في السَّطرِ الأوّل. الكتابُ يُعَلِّمُ في فاتِحَتِه أنَّ بَعضَ الجُمَلِ تَكتَمِلُ على مَدى السورة.

«إيلاف»: نَسجُ الأُنسِ بين المُفتَرِق

الجذرُ أ-ل-ف في اللسانِ يَدورُ على الأُنسِ والاجتِماعِ بعدَ تَفَرُّق. «أَلِفَ الشَّيءَ» اعتادَه فصارَ مُؤنِساً له. و«الأَلِفُ» من الناسِ مَن يَأنَسُ بالمَكانِ والصَّحبِ فلا يَنفِرُ. و«الأَلْفُ» من العَدَدِ تَجَمُّعٌ كَبيرٌ مُتَلائم. وحَرفُ الألِفِ نَفسُه أوّلُ الحُروفِ الذي تُبنى عليه الأُلفَةُ بين الأصواتِ كلِّها. الإيلافُ في هذا الجذرِ ليس وُجودَ كَثرَةٍ فَحسب، بل تَنسيقَ كَثرَةٍ حتى تُصبِحَ شَيئاً واحداً.

والإيلافُ في هذا الجَذرِ ليس حالَةً تَقَعُ مِن نَفسِها، بل إيقاعُ أُلفَةٍ على غُرَباء. الفاعِلُ لازِمٌ وإن أُسقِطَ من اللَّفظ. الكَلِمَةُ بحَركَةِ «إفعال» تُشيرُ إلى يَدٍ خارجَ الكَلِمَةِ تَنسِجُ، وإلى مَنسوجٍ داخلَها هُم قُرَيش.

والآيةُ تُذَكِّرُهم بما تَحتَ أَقدامِهم. كلُّ نَسجٍ يَبدو طَبيعيّاً يَأتي يَومٌ يَنحَلُّ فيه إن لم يُنسَب إلى مَن نَسَجَه. الذي يُذكَرُ في الآيةِ الثالِثَةِ بـ«رَبِّ هذا البَيت» هو الذي يُذكَرُ هاهنا فاعِلاً مَحذوفاً: مَن أَوقَعَ الإيلافَ هو نَفسُه مَن يَستَحِقُّ التَّعَبُّد.

السورتانِ المُتَّصِلَتان: ما رُفِعَ ضِدَّ البَيت، وما أُعطيَ لأهلِه

سورةُ الفيلِ تَنتَهي بقَولِه فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾: جَيشٌ يَنحَلُّ إلى تِبنٍ مَأكول. وسورةُ قُرَيش تَفتَتِحُ نَفسَها بهذه اللامِ المُعَلَّقَةِ التي تُعيدُ القارئَ إلى ما رَأَى لِتَوِّه. كأنّ السورتَين سورةٌ واحِدَةٌ في حَركَتَين: الأُولى تَهدِمُ ما جاءَ يَهدِم، والثانيةُ تَكشِفُ ما حُفِظ.

وبَينَ السورَتَين عَلامَةٌ صَوتيّةٌ بَليغة: «مَأكول» يَنغَلِقُ على لامٍ، ثمّ تَفتَتِحُ السورةُ التاليةُ بلامٍ مُعَلَّقَة. اللامُ التي خَتَمَت أكلَ الفيلِ هي نَفسُها اللامُ التي تَفتَحُ بابَ إيلافِ قُرَيش. الكتابُ لا يُعيدُ الحَرفَ صُدفَة. ما أُغلِقَ في «مَأكول» فُتِحَ في «لإيلاف». الأكلُ هَدمٌ، والإيلافُ نَسج. وَجهانِ لِفِعلٍ واحدٍ من فَوق.

ومَن قَرَأَ السورتَين مَعاً (كما قَرأَ بعضُ القُرّاءِ من الصَّحابة) أَدرَكَ أنّهما لا تَتَكَلَّمانِ عن واقعَتَين، بل عن وَجهَين لواقعةٍ واحدة: ما يُفعَلُ بمَن يَأتي ضِدَّ البَيتِ، وما يُعطى لمَن يَتَعَهَّدُ البَيت. الذي يَهدِمُ يُؤكَل. والذي يُؤلَّف يَأكُل. واللامُ بَين السورَتَين هي مَفصِلُ الجَزاء.


حَصيلة

السورةُ تَفتَتِحُ بِحَرفِ تَعليلٍ مُعَلَّق: «لِإيلافِ قُرَيش» (أ-ل-ف). اللامُ تَنتَظِرُ جَوابَها في الآيةِ الثالثة، فَيَصيرُ الفاصِلُ مَقصوداً: السورةُ تُريدُ أن تُفَكِّرَ في النِّعمَةِ قَبلَ أن تَسمَعَ الأمر. «الإيلافُ» من نَسجِ الأُنسِ بَين المُتَفَرِّق: ليس اجتِماعَ أعدادٍ، بل تَألُّفُ غُرَباءَ حتى يَصيروا أَهلاً. وَزنُ «إفعال» يُشيرُ إلى يَدٍ تَنسِجُ من خارِج: الفاعِلُ مَحذوفٌ من اللَّفظِ، حاضِرٌ في المَعنى. ثمّ صِلَةُ السورتَين: «مَأكول» تَختِمُ الفيلَ على لامٍ، و«لإيلاف» تَفتَحُ قُرَيشاً بِلام. ما أُغلِقَ هَدماً يَنفَتِحُ نَسجاً. الذي أَهلَكَ الكَيدَ هناك هو الذي يَنسِجُ الأُلفَةَ هنا، وكِلاهُما فِعلٌ واحدٌ من مَوضِعٍ واحد.