المسد · الآية 2

﴿مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ

«ما أَغنى عَنه»: نَفيٌ يَكشِفُ ما الذي كانَ يُفتَرَضُ أن يَفعَلَه المال

الفِعلُ «أَغنى» في جَذرِه ر-ج-ع إلى الاكتِفاءِ الذي يُغَطّي عن الحاجَة. مَن أَغناك عن شَيءٍ غَطّى عَنك حاجَتَك إليه فلم تَعُد تَطلُبُه. والآيةُ تَنفي هذا الفِعلَ نَفياً تامّاً: مالُه لم يُغَطِّ عَنه شَيئاً مِمّا هو مُحتاجٌ إليه في هذا المَوقِف. كأنّها تَقولُ: تَأمَّلوا ما الذي كانَ المالُ مُؤَهَّلاً لأَن يَفعَلَه، ثمّ انظُروا، لم يَفعَل.

والمالُ في الدنيا يُغني عن أشياءَ كَثيرة: عن الجوعِ، عن العَجزِ، عن طَلَبِ الناس، عن الضَّعف. لكنَّ هناك مَوضِعاً واحداً لا يُغني فيه عن صاحِبه: المَوضِعُ الذي يَسقُطُ فيه ما اعتَمَدَ عَلَيه الإنسانُ من خارجِه. في هذا المَوضِعِ تَتَكَشَّفُ المادَّةُ بأنَّها لا تَحمِلُ صاحبَها، إنّما هو الذي كانَ يَحمِلُها.

وفي البَقَرة آيةٌ تُكَمِّلُ هذا المَعنى من جِهةٍ أُخرى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾. الصَّدَقةُ المَصحوبةُ بالأذى تُبطَل، أي يَزولُ ما كانَ من أَثَرٍ لها. وهنا في المَسَد: المالُ المَصحوبُ بالعِنادِ على الحَقِّ لم يُغنِ. الإغناءُ والإِبطالُ في كَفَّتَين: ما لم يُحسِن صاحبُه إجراءَه يَتَبَدَّدُ في يَدِه قَبلَ أن يَصِلَ إلى مَوضِعِه.

«مالُه»: المُلكُ الذي ثَبَتَ ولم يَنفَع

الجذرُ م-و-ل في باطِنه «تَراكُمٌ يَصِلُ إلى مَن يَنتَفِعُ به». المالُ في اللسانِ ليس قِطَعاً جامِدَة، بل قيمةٌ تَجري إلى صاحِبها. ومنه «مالَ إليه» إذا تَجَمَّعَ نَحوَه. فالمالُ في حَقيقَتِه حَركَةٌ تَأوي إلى مَوضِع.

والآيةُ تَستَخدِمُ ضَميرَ المُلكيَّةِ «مالُه»: المالُ مَوصولٌ به، ثابِتُ النِّسبَةِ إلَيه. لا يُنازَعُ في أنَّه له. ومع ذلك «ما أَغنى عَنه». الإغناءُ ليس مَسأَلَةَ مُلكٍ، بل مَسأَلَةَ إجراء. مَن مَلَكَ مالاً ولم يُحسِن أن يُجريَه في وَجهِه ظَلَّ المالُ في يَدِه دونَ أن يَكونَ مِنه. كَلِمَةٌ واحِدَةٌ مع ضَميرِ المُلكيَّةِ تَكشِفُ هذا: «مالُه» ولم يَنفَع.

وفي الصورةِ التي تَفتَحُها السورةُ: اليَدُ تَيَبَّسَت في الآيةِ الأُولى، وهنا يَظهَرُ ما كانَ في اليَد. المالُ كانَ في اليَدِ، لم يُحرَم منه، لم يَزَل عَنه. لكنَّ اليَدَ التي حَمَلَتهُ جَفَّت قَبلَه، فبَقيَ ساكناً فيها لا يَجري إلى مَوضِعٍ يَنفَعُ.

«وَما كَسَب»: الجُهدُ الإضافيّ الذي يَلتَحِقُ بالمَوروث

«ما كَسَب» في الجذرِ ك-س-ب «إمساكٌ دَقيقٌ يَظهَرُ أَثَرُه». الكَسبُ ما اجتَهَدَ المَرءُ في تَحصيلِه فأَمسَكَه ثمّ ظَهَرَ به. ولذلك يَأتي مَعطوفاً على «مالُه»: المالُ المَورُوثُ والمَكسوبُ المُحَصَّل. السورةُ تُحصي ما عِنده مِن جِهَتَيه.

والعَطفُ بـ«و» هنا ليس تَكراراً، بل اسْتيعاباً. ما عِندَ الإنسانِ من سَبَبَيه: ما وَرِثَ، وما اجتَهَد. الآيةُ لا تَترُكُ بابَ احتجاجٍ مَفتوحاً. لو قِيلَ «ما أَغنى عَنه مالُه» وَحدَه لَأَمكَنَ أن يُقال: «لكنَّ ما اكتَسَبَ بيَدَيه شَيءٌ آخَر». فجاءَت «وَما كَسَب» تَسُدُّ هذا البابَ. كِلاهما لم يُغنِ.

وفي البَقَرة يَتَكرَّرُ الجَذرُ في مَوضِعَين كاشِفَين: وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَسَبُوا﴾، ولَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾. الكَسبُ في الكتابِ ليس مُحايِداً: هو ما يَنعَقِدُ في صاحبِه فَيُحاسَبُ به. والآيةُ هنا تَكشِفُ أنَّ ما كانَ يَظُنُّه الشانِئُ سَنَدَه (مالُه ومُكتَسَبُه) كانَ في الحَقيقَةِ ما يُعَلَّقُ عَلَيه، لا ما يَحمِلُه.


حَصيلة

يَأتي السُّؤالُ النَّافي: «ما أَغنى عَنه مالُه وما كَسَب». «أَغنى» (غ-ن-ي) الغِنى الكافي الذي يَدفَعُ الحاجَة. «ما أَغنى عَنه»: كلُّ ما كانَ يُفتَرَضُ أن يَدفَعَ الأَذى لم يَدفَعه. «مالُه» ما وَرِثَه وجَمَعَه، و«ما كَسَب» ما أَضافَه بِجُهدِه. المالُ المَوروثُ والمالُ المَكسوبُ كِلاهُما حاضِران ولم يَنفَعا. الثَّروَةُ التي يَتَّكِئُ عَلَيها المَرءُ في الدُّنيا لا تَشتَري له في الحِسابِ شَيئاً. والصياغَةُ في الماضي: «أَغنى» وقَعَ وانتَهى. الحُكمُ مَبتوت.