المسد · الآية 1

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ

«تَبَّت»: خَسارٌ يَتيبَّس، لا خَسارَةٌ تَنقَضي

الجذرُ ت-ب-ب في اللسانِ غَيرُ «خَسِرَ» وغَيرُ «هَلَك»، و«تَبَّ» يَدلّ على شَيءٍ يَنشَفُ ويَستَنفِدُ نَفسَه فلا يَعودُ إلى ما كان، ومِنه تَبابُ الزَّرعِ أن يَيبَسَ بعدَ خُضرَة، وتَبابُ الدابَّةِ أن يَعجُزَ ظَهرُها فلا تَحمِلُ بَعد. والكَلِمَةُ تَحمِلُ في باطِنها صورةَ شَيءٍ كانَ نَدِيّاً ثمّ غادَرَه ماؤُه.

ولذلك جاءَ الفِعلُ مَبدوءاً به في الآية، وعُدِلَ فيها عن «أبو لَهَب يَخسَرُ» و«سيَخسَر» إلى الإخبارِ في صيغةِ الماضي بأنَّ الجَفافَ قد وَقَع، وكأنَّ الحُكمَ يَسبِقُ الزَّمَن. وما يَجري في الدنيا من نَهيٍ وعِنادٍ يَبدو حَيّاً صاخِباً، والآيةُ تَكشِفُ أنَّ مادَّتَه قد تَيَبَّسَت من قَبل.

ولا يَقِفُ التَّكرارُ في «تَبَّت ... وَتَبَّ» عِندَ التَّأكيدِ اللَّفظيّ، فالأُولى وَقَعَت على اليَدَين، والثانيةُ على صاحبِهما، وكأنَّ الجَفافَ يَنتَقِلُ من العُضوِ إلى الجَسَد: اليَدُ التي امتَدَّت بالأذى تَيَبَّسَت في مَوضِعِها، ثمّ تَيَبَّسَ مَن كانَ يُحَرِّكُها. والكَلِمَةُ الواحدةُ، حين تُعادُ على بُنيَةِ القَبضِ نَفسِها، تَختِمُ ما لا تَختِمُه عَشرُ كَلِمات.

«يَدا أبي لَهَب»: اليَدُ آلَةُ الكَسبِ والإعطاء، تَتَيَبَّسُ أوّلاً

واليَدُ في القرآنِ مَوضِعُ الفِعل: ما تَكسِبُ وما تُنفِق وما تَبسُط وما تَقبِض، ولذلك قَدَّمَتها الآيةُ على صاحِبها: «تَبَّت يَداه» قَبلَ «تَبَّ هو»، فالجَفافُ يَبدَأُ حَيثُ كانَ الفِعلُ، أي في آلَتِه، واليَدُ التي رَفَعَت، أو دَفَعَت أذًى، أو جَمَعَت مالاً يُحارَبُ به الحَقّ، تَتَجَمَّدُ هي أوّلاً.

وتَثنيَةُ اليَدِ «يَدا» (لا «يَدُ» مُفرَدَة) تُحيطُ بالفِعلِ من جانِبَيه، والإنسانُ يَعمَلُ بيَدَيه: واحدةٌ تَأخذ، وأُخرى تُعطي، وواحدةٌ تَكسِب، وأُخرى تُنفِق، والسورةُ تَقولُ: كِلتاهُما، ولا يَدَ يُعتَمَدُ عَلَيها بَعد، ومَنبَعا الفِعلِ كِلاهما جَفّا في وَقتٍ واحد.

وفي البَقَرة يَتَكرّرُ هذا المَوضِعُ نَفسُه: بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، واليَدُ هي ما يُقَدِّم، فيُحاسَبُ صاحبُها بما قَدَّمَت. وفي آيةٍ أُخرى: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾، واليَدُ فيها تَكتُبُ وتَكسِب، ثمّ يُلَفُّ الوَيلُ على صاحِبِها بما هو مَوضوعٌ في يَدَيه. وآيَتُنا أَخصَر: تَبَّت اليَدان، فَتَبَّ صاحِبُهما، وما في اليَدِ يَفعَلُ في صاحِبِها قَبلَ أن يَفعَلَ في غَيرِها.

«أبي لَهَب»: الكَنيَةُ التي صارَت حُكماً

و«أبو لَهَب» كَنيَةٌ، لا اسمٌ علم، والعَرَبُ تُكَنّي مَن أَرادَت تَعظيمَه أو تَلطيفَ ذِكرِه، غَيرَ أنَّ الآيةَ تَأخُذُ هذه الكَنيَةَ ولا تُغَيِّرُها، لأنَّ ما اختارَ لِنَفسِه من اسمٍ يَعودُ في الآيةِ التاليةِ ناراً عَلَيه.

والقرآنُ في هذه التَّسميَةِ يَفعَلُ ما يَفعَلُه الجَذرُ في الآية، فهو يَكشِفُ ما في الاسمِ المَوجودِ من حُكم، ولا يَخلُقُ اسماً جَديداً، و«تَبَّ» تَكشِفُ ما في «أبو لَهَب» من نِهايَة، والذي تَزَيَّنَ بالنارِ في كَنيَتِه يَسكُنُ النارَ في مَآله. واللُّغَةُ نَفسُها تَعكِسُ ما يَجري في الباطن: الإنسانُ يُسَمّى بما هو فيه، وإن لم يَعلَم.

وفي تَركيبِ السورةِ كلِّها يَظهَرُ هذا: الآيةُ الأُولى تُسَمّيه، والثانيةُ تَنزِعُ عَنه ما اعتَمَدَ عَليه، والثالثةُ تَفتَحُ عَلَيه لَهَبَ كَنيَتِه، والرابعةُ تُسَمّي امرَأَتَه، والخامسةُ تَختِمُ بحَبلٍ على عُنُقِها، وكلُّ آيَةٍ تَكشِفُ ما كانَ مُنعَقِداً في الأُولى، وما اختارَ المَرءُ أن يُعرَفَ به يُعرَفُ به.


حَصيلة

تَفتَتِحُ السورةُ بِدُعاءٍ يَلتَقي بِخَبَر: «تَبَّت يَدا أبي لَهَب». و«تَبَّت» (ت-ب-ب) خَسارٌ يَتَكَرَّسُ ويَتَصَلَّبُ، وليس خَسارةً تَنقَضي، والجِذرُ يَحمِلُ صورةَ التَّيَبُّسِ والجُمودِ في الخُسران. و«يَدا» تَدُلُّ على أنَّ التَّبابَ بَدَأَ بيَدَيه، ولم تَتِبَّ نَفسُه أوَّلاً، واليَدانِ آلَةُ الكَسبِ والإيذاء، فهو تَبٌّ لليَدَين ثمّ تَبٌّ للشَّخص. و«أبو لَهَب» الكَنيَةُ التي اختارَها لِنَفسِه، وقد صارَت الكَنيَةَ التي يَصِفُها اللَّهَبُ في الآخِرَة، وما كانَ فَخراً في الدُّنيا صارَ عَلامَةَ مَصيرٍ في الكتاب، والسورةُ تَأخُذُ اسمَه فَتَجعَلُه حُكماً.