الإسراء · الآية 2

﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا

«وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ»: كِتابٌ يُؤتى ولا يُؤخَذ

«آتَينا» على وَزنِ أفعَلَ من أ-ت-ي، والإتيانُ مَجيء، فإذا دَخَلَتِ الهَمزةُ على الفِعلِ صارَ المَعنى: جَعَلناهُ يَأتي. فالكِتابُ جاءَ إلى مُوسى ولم يُنَلْ باجتِهاد، والحَرَكةُ كُلُّها مِن جِهةِ المُعطي.

وفي آخِرِ الآيةِ فِعلُ نَيلٍ ثانٍ يُقابِلُه، وهو «تَتَّخِذُوا»، فهُما فِعلانِ لِلحُصولِ في آيةٍ واحِدة، أحَدُهُما يَنزِلُ إلى صاحِبِه، والآخَرُ يَمُدُّ إلَيهِ صاحِبُه يَدَه، وعلى هذَينِ الفِعلَينِ تَدورُ الآيةُ من أوَّلِها إلى آخِرِها. فما يُؤتى يَنزِلُ من فَوق، وما يُتَّخَذُ يُلتَقَطُ مِمّا حَولَ المَرء.

«وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ»: إيتاءٌ ثُمَّ جَعل

ولم تَقِفِ الآيةُ عِندَ الإيتاء، فقد أتْبَعَتْهُ فِعلاً ثانِياً: «وَجَعَلْنَاهُ». والجَعلُ من ج-ع-ل، وهو وَضعُ الشَّيءِ في حَيِّزٍ يَتَعَلَّقُ بِه فيَصيرُ لَه حالاً لازِمة. فكَونُ الكِتابِ كِتاباً شَيء، وكَونُه هُدىً شَيءٌ يُصنَعُ لَه بَعدَ ذلك، ولو هَدى الكِتابُ بِمُجَرَّدِ أن يَكونَ كِتاباً لَكانَ الفِعلُ الثّاني فَضلاً لا مَوقِعَ لَه.

و«هُدىً» نَكِرة، والمُرادُ هُدىً، لا الهُدى كُلُّه. واللّامُ في «لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ» لِلوِجهة، فالهُدى مَصروفٌ إلَيهِم مُوَجَّهٌ نَحوَهُم، والكِتابُ بِهذا مَجرىً حُفِرَ في اتِّجاهِ قَوم، وليسَ خِزانةً تُملَأُ ثُمَّ تُقفَل، والمَجرى المَحفورُ لا يُغني عَمَّن لم يَسِرْ فيه.

«أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا»: الكَلامُ يَستَديرُ فيُخاطِب

وإلى هُنا والآيةُ خَبَر: آتَينا، وجَعَلناه، وبَنو إسرائيل، ثُمَّ يَنقَلِبُ الكَلامُ إلى مُخاطَبٍ حاضِر: «تَتَّخِذُوا». ويَنقَلِبُ مَرّةً ثانِيةً في ضَميرِ المُتَكَلِّم، فقد كانَ «نا» في «آتَينا» و«جَعَلنا»، فصارَ «ي» في «دُونِي»، فيُجمَعُ الضَّميرُ في مَقامِ العَطاء، ويُفرَدُ في مَقامِ الاختِصاص، وبِهذا الحَرفِ الواحِدِ يُحسَمُ ما لا تَحسِمُه الجُمَلُ الطِّوال.

و«تَتَّخِذُوا» على وَزنِ افتَعَلَ من أ-خ-ذ، وهو أخذٌ يَرجِعُ نَفعُه على الآخِذ، أي انتِزاعُ الشَّيءِ لِلنَّفس. و«مِن دُونِي» جِهةٌ لا ذات، و«دُون» ما قَصُرَ عن الغايةِ ووَقَعَ قَبلَها، فالنَّهيُ واقِعٌ على الجِهةِ التي يُلتَمَسُ مِنها الوَكيل، لا على أن يَكونَ لِلمَرءِ وَكيل.

و«وَكِيلًا» نَكِرةٌ في سِياقِ النَّهيِ فتَعُمّ. والجِذرُ و-ك-ل خالٍ في نَفسِه من المَدحِ والذَّمّ، وهو يُسَمّي حامِلاً، أي مَن سُلِّمَ إلَيهِ الأمرُ فقامَ فيه مَقامَ صاحِبِه. فالمُنكَرُ في الآيةِ أن يُنصَبَ الحامِلُ في المَوضِعِ الذي دُونَ الله، والتَّوكيلُ نَفسُه غَيرُ مُنكَر. وأوَّلُ ما في هُدى الكِتابِ أن يَعرِفَ المَرءُ إلى مَن يُسَلِّمُ نَفسَه.


حَصيلة

كِتابٌ أُتِيَ بِه إلى مُوسى ولم يُطلَب، ثُمَّ جُعِلَ هُدىً بِفِعلٍ ثانٍ، إذ لم يَكفِه أن يَكونَ كِتاباً، ثُمَّ انصَرَفَ الكَلامُ عن الخَبَرِ إلى المُخاطَبِ وعن «نا» إلى «ي»، حتّى انتَهى كُلُّه إلى نَهيٍ واحِد: «أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا». فالهُدى المَجعولُ في الكِتابِ يُفتَتَحُ بِتَصحيحِ جِهةِ التَّسليم، وهو أن يُؤتى المَرءُ ولا يَتَّخِذ، وأن يَكونَ حامِلُ أمرِه من فَوقُ لا من دُون. وما دُونَ الغايةِ لا يَحمِلُ صاحِبَه، لأنَّه هو نَفسُه مَحمول.