الإسراء · الآية 1
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«سُبْحَانَ»: تَخلِيَةُ المَجرى قَبلَ الخَبَر
أوَّلُ ما في الآيةِ تَنزيهٌ لا خَبَر. تَبدَأُ بِـ«سُبحان» فتُقَدِّمُ التَّخلِيَةَ على الحِكاية. والجِذرُ س-ب-ح يَجري ثُمَّ يَنفَتِحُ ثُمَّ يَخلُص: مُرورٌ لا يَعلَقُ بِصاحِبِه مِنه شَيء. ومنه السِّباحة: بَدَنٌ يَشُقُّ الماءَ ثُمَّ يَخرُجُ مِنه ولا يَحمِلُ مِنه شَيئاً.
وهذا مَوضِعُ وُقوفٍ لا مَوضِعُ مُرور. فالخَبَرُ الآتي عَجيب، والعَجيبُ يَجُرُّ إلى صاحِبِه الظُّنون: يُقاسُ على المَألوفِ فيَلحَقُ به ما يَعلَقُ بِالمَخلوق. فجاءَ التَّسبيحُ أوَّلاً يَغسِلُ المَجرى قَبلَ أن يَجريَ فيه الكَلام. ومَن سَمِعَ «سُبحان» ثُمَّ سَمِعَ «أسرى» لم يَبقَ في يَدِه ما يُشَبِّهُ بِه. التَّسبيحُ لا يَصِفُ الخَبَر، بل يُطَهِّرُ الأُذُنَ التي سَتَسمَعُه.
«أَسْرَىٰ»: الفِعلُ لِمَن أجراه لا لِمَن جَرى بِه
«أَسرى» على وَزنِ أفعَل، والهَمزةُ في صَدرِه تَنقُلُ الفِعلَ إلى غَيرِ مَن وَقَعَ بِه. «سَرى» يَسري بِنَفسِه، و«أسرى» جَعَلَ غَيرَه يَسري. فالذي أسرى هو «الَّذي»، والمَحمولُ لَيسَ صاحِبَ الخُطوة.
والجِذرُ س-ر-ي جَريانٌ خَفِيٌّ يَمتَدُّ ويَلتَئِمُ بِلا وَقعٍ يُسمَع، ومنه السُّرى: سَيرُ اللَّيلِ لا سَيرُ النَّهار. فالحَرَكةُ في أصلِها مَستورةٌ لا يَشهَدُها أحَد. وحينَ تَدخُلُ الهَمزةُ على هذا الجَرَيانِ الخَفِيِّ صارَ الخَفاءُ نَفسُه مَحمولاً.
ولا يُقالُ على هذه الآيةِ «سَرى العَبد». الآيةُ لم تَقُلْها، وحَرفٌ واحِدٌ في صَدرِ الفِعلِ يَمنَعُ قَولَها. الهَمزةُ في أوَّلِ الكَلِمةِ تَقولُ كُلَّ شَيء: رِحلةٌ لا يَملِكُ صاحِبُها مِنها خُطوة.
«بِعَبْدِهِ»: حَيثُ يُنتَظَرُ الاسمُ تُوضَعُ النِّسبة
لم تُسَمِّ الآيةُ مَن حُمِل. قالَت «بِعَبدِه» ووَقَفَت. وهذا اختِيارُها لا نَقصٌ فيها، والقِراءةُ تَقِفُ حَيثُ وَقَفَت.
والوَصفُ الذي اختارَته لِأعلى مَقامٍ في الآيةِ هو العُبودِيّة. الجِذرُ ع-ب-د قَبضٌ من العُمقِ يَلتَصِقُ بِوِجهَتِه ثُمَّ يَثبُت، ومنه الطَّريقُ المُعَبَّد: أرضٌ وُطِئَت حتّى لانَت واستَوَت لِمَن يَمُرُّ عَلَيها. فالعَبدُ مَن صارَت إرادَتُه مَمشىً مُذَلَّلاً في جِهةٍ واحِدة، لا مَن سُلِبَ إرادَتَه.
وتَعودُ الكَلِمةُ نَفسُها بَعدَ آيَتَين: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، ثُمَّ بَعدَها عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. ثَلاثةُ مَواضِعَ لِلجَذرِ في صَدرِ السورة. الافتِتاحُ يَضَعُ المِيزان: ما يُعرَفُ به أهلُ هذه السورةِ نِسبَتُهُم لا أسماؤُهُم.
«لَيْلًا»: تَنكيرٌ يَقتَطِعُ ولا يَستَغرِق
«لَيلاً» نَكِرة. ولَو أُريدَ اللَّيلُ كُلُّه لَجاءَ مَعرِفةً كما جاءَ في وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾. والتَّنكيرُ هُنا يَقتَطِعُ قِطعةً منه ولا يَبلُغُ آخِرَه: بَعضُ لَيلٍ لا لَيلةٌ تامّة.
والجِذرُ ل-ي-ل تَعَلُّقٌ يَمتَدُّ في لينٍ حتّى يَلتَفَّ على ما تَحتَه، فاللَّيلُ غِطاءٌ يُسبَلُ لا فَراغٌ يَقَع. فالمَسرى مَستورٌ في وَقتٍ ساتِر، وقَدرُ الغِطاءِ مَقدور: بَعضُه لا كُلُّه. حَرَكةٌ خافِيَةٌ في زَمَنٍ خافٍ، ومِقدارُها مِنه مَقطوعٌ لا مَبسوط.
«مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى»: طَرَفانِ يُعَرَّفانِ بِوَصفِهِما
طَرَفانِ ومَسافةٌ بَينَهُما، تَحُدُّها «مِن» و«إلى». وما بَينَ الطَّرَفَينِ لم تَقُلْ عنه الآيةُ حَرفاً. القَولُ كُلُّه في المُبتَدَإِ والمُنتَهى، والطَّريقُ مَتروكٌ لِمَن أسرى.
وكِلا الطَّرَفَينِ مَسجِد. الجِذرُ س-ج-د سَريانٌ يَتَجَمَّعُ في حَيِّزٍ ثُمَّ يَثبُتُ في أدنى نُقطة، والمَسجِدُ مَوضِعُ ذلك الثَّبات. فالرِّحلةُ من مَوضِعِ جَبهةٍ إلى مَوضِعِ جَبهة: طَرَفاها واحِدٌ في الوَظيفةِ مُختَلِفانِ في الوَصف.
الأوَّلُ يُوصَفُ بِالحَرام، وح-ر-م صَرامةٌ تُحيطُ بِالشَّيءِ فتَصونُه ولا تَنفَكُّ عنه. والآخَرُ يُوصَفُ بِالأقصى، وق-ص-و بُلوغُ أبعَدِ حَدّ. فالأوَّلُ مُعَرَّفٌ بِما يَحميه، والآخَرُ مُعَرَّفٌ بِبُعدِه عن الأوَّل. لم يُنادَ واحِدٌ مِنهُما بِاسمِه، وإنَّما وُصِفَ بِما يَقومُ به.
«الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ»: كَلِمةٌ تَجعَلُ البَرَكةَ حَلقة
البَرَكةُ حَولَه. لَيست فيه.
و«حَولَ» من ح-و-ل: دَورةٌ تَنعَقِدُ على مَركَزٍ ثُمَّ تَرجِعُ إلى مَبدَئِها. فالمَوصوفُ بِالبَرَكةِ في هذه الآيةِ حَلقةٌ لا نُقطة: ما أحاطَ بِالمَوضِعِ لا جَوفُه. كَلِمةٌ واحِدةٌ تَحرُسُ المَوضِعَ من أن يُقالَ فيه ما لم يُقَلْ.
و«بارَكنا» أوَّلُ التِفاتٍ في الآية. افتُتِحَت بِالغَيبة: «الَّذي أسرى». ثُمَّ تَدخُلُ نونُ المُتَكَلِّمِ ثَلاثاً مُتَتالِيَة: بارَكنا، لِنُرِيَه، آياتِنا. ثُمَّ تَرجِعُ الآيةُ إلى الغَيبةِ في خِتامِها: «إنَّه هو». فالقُربُ يَدخُلُ في الوَسَطِ ثُمَّ يَنحَسِر.
والجِذرُ ب-ر-ك اتِّصالٌ يَجري في أثَرٍ ثُمَّ يَثبُتُ في مَحَلِّه، ومنه بَرَكَ البَعيرُ إذا ألزَمَ الأرضَ فلم يَبرَح. فالبَرَكةُ ثَباتٌ يُنمي، لا وَفرةٌ تُعَدُّ مَرّةً ثُمَّ تَنفَد.
«لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا»: عِلّةٌ مُصَرَّحٌ بِها، وهي نَظَر
اللّامُ تُعَلِّل، والآيةُ تُصَرِّحُ بِعِلّةِ الإسراء: إراءة. لا رَفعٌ ولا صُعودٌ ولا بُلوغُ مَنزِلة. المَقصودُ أن يَرى.
و«نُرِيَه» أفعَلُ ثانِيَةً. أُسرِيَ بِه ثُمَّ أُرِيَ: في الفِعلَينِ مَعاً يَقَعُ العَبدُ مَوقِعَ مَن يُفعَلُ بِه. لا هو الذي سارَ، ولا هو الذي فَتَحَ عَينَه على ما شاء.
و«مِن» تَبعيضِيّة. لم يَقُلْ «آياتِنا» بل «مِن آياتِنا»: قِطعةٌ من الجُملة. فالمَشهودُ مَقطوعٌ بِقَدرٍ كما كانَ الوَقتُ مَقطوعاً بِقَدر. مَرَّتانِ في آيةٍ واحِدةٍ يُقَدَّرُ العَطاءُ بِمِقدار.
والآيةُ من أ-ي-ي: عَلامةٌ قاطِعةٌ تَدُلُّ على ما وَراءَها. فالمَرئيُّ نَفسُه لَيسَ هو المَقصود، وإنَّما هو إشارةٌ إلى مَن لا يُرى. غايةُ الرِّحلةِ أن يَرى عَلامات، والعَلامةُ لا تُرى لِذاتِها.
«إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ»: خِتامٌ يُجاوِبُ العِلّة
كانَتِ العِلّةُ إراءة، وجاءَ الخِتامُ بَصَراً. فالخاتِمةُ لَيست حَشواً في آخِرِ الآية، بل جَوابٌ لِما قَبلَها: الذي أقامَ الإراءةَ هو البَصيرُ نَفسُه. لم يَمنَحْ نَظَراً يَنقُصُه، بل أشهَدَ عَبدَه على ما هو مَشهودٌ لَدَيه.
وجاءَ السَّمعُ مَعَ البَصَر. س-م-ع انسِيابٌ يَتَجَمَّعُ ثُمَّ يَنفُذُ إلى العُمقِ فيَلتَقِطُ القَصد، وب-ص-ر إمساكٌ صَلبٌ يَجري ويَمتَدُّ فيَربِطُ العَينَ بِما أمامَها. أحَدُهُما يَتَلَقّى، والآخَرُ يُمسِك.
وفي الآيةِ نَفسِها ما يَقتَضي الاثنَين: فيها مَرئِيٌّ أُرِيَه العَبد، وفيها خَبَرٌ يُتلى فيُسمَع. فالاسمانِ يُغَطِّيانِ الرِّحلةَ وحِكايَتَها مَعاً. آيةٌ افتُتِحَت بِتَنزيهٍ وخُتِمَت بِاسمَين، فما بَينَهُما مَحروسٌ من أن يُزادَ فيه.
حَصيلة
تَفتَتِحُ الآيةُ بِـ«سُبحان»، والجِذرُ س-ب-ح جَريانٌ فانفِتاحٌ فخُلوص: تَخلِيةٌ لِلمَجرى قَبلَ أن يَجريَ فيه خَبَرٌ عَجيب. ثُمَّ «أسرى» على أفعَل، فالفاعِلُ «الَّذي» والمَحمولُ لَيسَ صاحِبَ الخُطوة. ثُمَّ «بِعَبدِه»: تَقِفُ الآيةُ عِندَ النِّسبةِ ولا تُسَمّي، وتَختارُ لِأعلى مَقامٍ فيها وَصفَ العُبودِيّة، ويَعودُ الجِذرُ بَعدَها في «عَبداً شَكوراً» وفي «عِباداً لَنا». و«لَيلاً» مُنَكَّرة: بَعضُ لَيلٍ لا لَيلٌ تامّ، حَرَكةٌ مَستورةٌ في وَقتٍ ساتِر. والطَّرَفانِ مَسجِدان، أحَدُهُما مَوصوفٌ بِصَرامةٍ تَصونُ والآخَرُ بِبُعدٍ يَبلُغُ أقصاه، وما بَينَهُما مَسكوتٌ عنه. والبَرَكةُ «حَولَه»، حَلقةٌ لا جَوف. والعِلّةُ مُصَرَّحٌ بِها: «لِنُرِيَه»، إراءةٌ لا صُعود، و«مِن آياتِنا» قِطعةٌ لا جُملة، والآيةُ عَلامةٌ تَدُلُّ على ما وَراءَها. ثُمَّ يُختَمُ بِـ«السَّميعِ البَصير» فيُجاوِبُ الخِتامُ العِلّة. آيةٌ تُخبِرُ بِأعظَمِ ما يُخبَرُ بِه، وتُمسِكُ في كُلِّ كَلِمةٍ عن أن تَزيد.