الإسراء · الآية 3

﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا

«ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا»: قَومٌ يُنادَونَ بِما نُثِروا عنه

لَم تُسَمِّ الآيةُ المُخاطَبينَ بِأنفُسِهِم. سَمَّتْهُم بِما تَفَرَّعوا مِنه: «ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا». والذُّرِّيّةُ من ذ-ر-ر، وهو نَثرُ الدَّقيقِ من مَعدِنِه حتّى يَنتَشِر. فالمُنادى قَومٌ عُرِّفوا بِأصلٍ نُثِروا عنه، لا بِأرضٍ ولا بِزَمان.

وأدَقُّ مِن ذلك: الذينَ حُمِلوا لم يُسَمَّوا هُم أيضاً. قيلَ فيهِم «مَنْ»، وهي أوسَعُ الكَلِماتِ إبهاماً. سُمِّيَ في الآيةِ واحِدٌ فقَط، ووُكِلَ الباقونَ إلى «مَن». والآيةُ التي تُسَمّي بِقَدَرٍ تُعَلِّمُ قارِئَها أن يَقِفَ حَيثُ وَقَفَت.

«حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ»: مَن حَمَلَ، ومَن كانَ مَعه

«حَمَلْنَا» فِعلٌ فاعِلُه «نا». لم تَقُلِ الآيةُ إنَّهُم رَكِبوا، ولا إنَّهُم نَجَوا بِحيلة. قالَت إنَّهُم حُمِلوا، والحامِلُ المُسَمّى في اللَّفظِ هو المُتَكَلِّم. والحَملُ في ح-م-ل احتِواءُ ثِقَلٍ ورَفعُه عن الأرضِ بِقُوّةِ حامِلِه، فالمَحمولُ ساكِنٌ والقُوّةُ لِغَيرِه. أوَّلُ ما يُعَرَّفُ بِه هؤُلاءِ القَومُ أنَّ بَقاءَهُم كانَ حَملاً.

و«مَعَ» حَرفُ مُصاحَبة، لا حَرفُ ظَرف. فالقَومُ مَعَ نُوحٍ لا في شَيء. والآيةُ تَذكُرُ الصُّحبةَ وتَسكُتُ عمّا سِواها، فيُقرَأُ ما ذُكِر. ومَن أضافَ إلى المَحمولِ مَركَباً فقد حَمَلَ عن الآيةِ ما لم تَحمِلْه.

«إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا»: ضَميرٌ لا تَحسِمُه الآية

الهاءُ في «إِنَّهُ» تَحتَمِلُ وَجهَين، والآيةُ لا تُرَجِّحُ بَينَهُما. أقرَبُ مَذكورٍ هو «نُوحٍ»، فتَكونُ الجُملةُ ثَناءً عليه. و«مَنْ» في «مَنْ حَمَلْنَا» مُفرَدَةُ اللَّفظِ أيضاً، فتَعودُ الهاءُ إلى المَحمولينَ باعتِبارِ لَفظِها، فيَكونُ الثَّناءُ على مَن حُمِل. الوَجهانِ قائِمانِ في تَركيبِ الآيةِ نَفسِه، والحَسمُ زِيادةٌ عليها.

ثُمَّ إنَّ «عَبْدًا» تُعيدُ إلى السَّمعِ كَلِمةَ مَطلَعِ السّورة: بِعَبْدِهِ﴾. الوَصفُ الذي اختيرَ هُناكَ لِأعلى مَقامٍ يُذكَرُ هُنا وَصفاً لِمَن يُثنى عليه. الكَلِمةُ نَفسُها في المَوضِعَين، ولا تُصَغَّرُ في أحَدِهِما ولا تُعَظَّم.

و«شَكُورًا» على وَزنِ فَعُول، وهو بِناءُ المُبالَغةِ الذي يَجعَلُ الوَصفَ عادةً لا حادِثة. لَيسَ شاكِراً في مَوقِفٍ، بل شَكُوراً في هَيئةٍ ثابِتة. والعُبودِيّةُ والشُّكرُ مَقرونانِ في كَلِمَتَين: مَن عَرَفَ أنَّه مَحمولٌ لم يَجِدْ لِنَفسِه ما يَفخَرُ بِه، فلم يَبقَ له إلّا أن يَشكُر.


حَصيلة

قَومٌ يُنادَونَ بِلَفظِ النَّثرِ عن أصل: «ذُرِّيَّةَ»، وأصلُهُم مَذكورٌ بِـ«مَنْ» لا بِاسم، وواحِدٌ فقَط سُمِّيَ فيهِم. ثُمَّ يُقالُ عنهُم إنَّهُم «حُمِلوا»، فيَكونُ أوَّلُ تَعريفِهِم أنَّ نَجاتَهُم كانَت بِقُوّةِ غَيرِهِم. ثُمَّ يُختَمُ بِضَميرٍ يَحتَمِلُ نُوحاً ويَحتَمِلُ المَحمولين، ويُوصَفُ صاحِبُه بِـ«عَبْدًا شَكُورًا»، فتَرجِعُ كَلِمةُ «عَبد» إلى ما افتُتِحَت بِه السّورة. مَحمولٌ يَشكُر: هذا كُلُّ ما تُعطيه الآيةُ، وهو يَكفي.