الإسراء · الآية 50

﴿۞ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

۞ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا

«قُلْ»: أمرٌ يَمُرُّ بِفَمٍ قَبلَ أن يَبلُغ

لم يُوَجَّهِ الأمرُ إلَيهِم رَأساً، فقد وُضِعَ أوَّلاً في فَمٍ، ثُمَّ خَرَجَ مِنه إلَيهِم. والقائِلُ هُنا يُؤَدّي ما حُمِّلَه ولا يُنشِئُ ما يَقول، فما يَلي «قُلْ» لَيسَ قَولَه.

وهذه أُولى ثَلاثٍ في آيَتَين، تَجيءُ الثانِيةُ والثالِثةُ بَعدَ أن يَتَكَلَّموا، وتَجيءُ هذه جَواباً لِما قالوه في الآيةِ السّابِقةِ قَبلَ أن يَزيدوا شَيئاً، فالأمرُ سابِقٌ لِسُؤالِهِمُ التّالي، والسُّؤالُ هو الذي سيُبَيِّنُ ما صَنَعَ بِهِمِ الأمر.

«كُونُوا»: أمرٌ يَقَعُ على الكَونِ نَفسِه

وأوثِرَ «كُونوا» على «افعَلوا» و«اصنَعوا»، وهو أمرٌ مَبنِيٌّ على الفِعلِ الذي يُخبَرُ بِه عن أصلِ الوُجود. والكَونُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه، والذي تَصنَعُه الآيةُ أنَّها أنزَلَتِ الطَّلَبَ إلى هذا المُستَوى بِعَينِه، فتَعَلَّقَ بِما يُكان، دونَ ما يُفعَل.

ولَيسَ في المُخاطَبينَ مَن يَملِكُ الامتِثال، والأمرُ الذي مَضمونُه حالٌ لا يَستَطيعُ مُخاطَبٌ أن يَدخُلَ فيها أمرٌ لا يَطلُبُ شَيئاً، وهذا يُقرَأُ من التَّركيبِ نَفسِه: فِعلُ أمرٍ، ومَأمورونَ حاضِرون، ومَطلوبٌ خارِجٌ عن مَقدورِهِم جُملةً.

وما يَصنَعُه أمرٌ كهذا يَظهَرُ في الآيةِ التي بَعدَها حينَ يَسألون، ولا يَظهَرُ في هذه الآيةِ نَفسِها، فقِراءةُ الجُملةِ لا تَتِمُّ هُنا.

«حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا»: صَلابَتانِ تَبدَآنِ بِحَرفٍ واحِد

اسمانِ لِلقَسوة، يَفتَتِحُ كِلاهُما بِالحاء، وشَحنَتُها التَّضييقُ والاحتِواءُ في الباطِن، فالقاسي في اللِّسانِ يُبنى على ضيقٍ يَحبِسُ ما فيه، لا على اتِّساعٍ يَنشُر.

ثُمَّ يَفتَرِقانِ بَعدَ الحاء، فالحَجَرُ كُتلةٌ ضُيِّقَ عَلَيها فتَكَتَّلَت فتَماسَكَت، وهي قَسوةٌ تُمسِكُ ولا تَنفُذ، والحَديدُ ما ضُغِطَ حتّى ثَبَتَ ثُمَّ اندَفَعَ نافِذاً، وهي قَسوةٌ تَقطَع. فالثّاني يَزيدُ عَلَيه في نَوعِ الصَّلابةِ لا في دَرَجَتِها، ولَيسَ تَكراراً لِلأوَّل.

و«حِجارةً» جَمعٌ يَتَفَتَّتُ إلى آحاد، و«حَديدًا» اسمُ جِنسٍ لا يَنقَسِمُ في لَفظِه، ومَن جاءَ من العِظامِ والرُّفاتِ عَرَفَ الفَرق، فقد سَألوا عن حالٍ تَفَرَّقَت، فعُرِضَ عَلَيهِم أن يَكونوا ما لا يَتَفَرَّق.

ثُمَّ «أَو»، وهي لِلتَّخيير، وقد عُرِضَ عَلَيهِم بِها أن يَختاروا داخِلَ أمرٍ لا يُطاق. وأدَقُّ ما في الجُملةِ هذا الحَرف، وهو يُعامِلُ ما لا يُستَطاعُ مُعامَلةَ ما لَه أبواب.


حَصيلة

أمرٌ يُودَعُ في فَمٍ قَبلَ أن يَبلُغَ أهلَه، فما بَعدَ «قُلْ» لَيسَ قَولَ القائِل. ثُمَّ فِعلُ أمرٍ مَبنِيٌّ على الكَونِ لا على الفِعل، نَزَلَ بِه الطَّلَبُ إلى ما لا يَملِكُه مَأمور. ثُمَّ صَلابَتانِ تَفتَتِحانِ بِحاءٍ واحِدةٍ تُضَيِّقُ وتَحتَوي: كُتلةٌ تَتَماسَكُ فتُمسِك، ومَعدِنٌ يَثبُتُ ثُمَّ يَنفُذُ فيَقطَع، وهُما جَمعٌ يَتَفَتَّتُ وجِنسٌ لا يَنقَسِم، عُرِضا على مَن جَعَلوا أنفُسَهُم رُفاتاً، وبَينَهُما حَرفُ تَخييرٍ يُجري المُستَحيلَ مَجرى ما تُختارُ فيه الأبواب. ولم تُغلَقِ الجُملةُ عِندَ حَدِّها، فقد بَقِيَ في القائِمةِ مَوضِعٌ ثالِثٌ لم يُذكَرْ بَعد.