الإسراء · الآية 49

﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا

«وَقَالُوا»: اعتِراضٌ يُسَلَّمُ بِلَفظِه

لم تُلَخَّصْ مَقالَتُهُم ولم تُوصَف، وسُلِّمَتِ الجُملةُ كما قيلَت، ثُمَّ وُضِعَت في الآيةِ بِتَمامِها، والآيةُ تَقِفُ عِندَ حَدِّ النَّقلِ ولا تُجيبُ في نَفَسِها.

والقائِلونَ بِلا اسم، فهو فِعلٌ وواوُ جَماعةٍ ولا شَيءَ بَعدَ ذلك، ومَن أرادَ أن يَعرِفَهُم لم يَجِدْ في الآيةِ إلّا ما قالوه. والقَولُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه.

«أَإِذَا … أَإِنَّا»: هَمزَتانِ في جُملةٍ واحِدة

وفي الجُملةِ هَمزةُ استِفهامٍ تَتلوها هَمزةُ استِفهام: الأولى تَدخُلُ على الظَّرف: «أَإِذا كُنّا»، والثانِيةُ تَدخُلُ على الجُملةِ نَفسِها: «أَإِنّا لَمَبعوثون». فالسُّؤالُ يُعادُ داخِلَ الجُملةِ الواحِدة، مَرّةً على الحالِ ومَرّةً على الخَبَر.

ولَو كَفَت واحِدةٌ لَما جيءَ بِالثانِية، فالاستِفهامُ الأوَّلُ يَسألُ عن وَقتٍ يُفتَرَض، والثاني يَسألُ عَمَّن يَقَعُ عَلَيه ما يُفتَرَض، ولم يَتَغَيَّرِ المَوضوعُ بَينَهُما: هُم في الأُولى وهُم في الثانِية.

ثُمَّ اللّامُ في «لَمَبعوثون»، وهي لِلتَّوكيد، وقد وَضَعوا أداةَ التَّثبيتِ هذه في مَتنِ ما يُنكِرونَه، فالجُملةُ تَحمِلُ في كَلِمةٍ واحِدةٍ شِدَّةَ الإثباتِ وشِدَّةَ الرَّدّ، والقائِلُ هو القائِلُ في الطَّرَفَين.

«عِظَامًا وَرُفَاتًا»: ما يُمسِكُ ثُمَّ ما لا يُمسِك

وأصلُ العَظمِ في جَذرِه قَبضٌ مُلتَحِمٌ يُطبِقُ فيُمسِكُ ما تَحتَه، فهو القاسي الذي يَحمِلُ ويَستُر، وآخِرُ ما يَبقى مِمّا يَحفَظُ هَيئة. ومَدارُ الرُّفاتِ في جَذرِه على ما تَفَرَّقَ بِأدنى مَسٍّ حتّى تَمَّ تَفَرُّقُه فانفَلَت، فلا هَيئةَ فيه ولا مَسكَ.

والتَّرتيبُ بَينَهُما مَقروء، فقد بَدَؤوا بِما يَبقى مُمسِكاً، ثُمَّ جاوَزوه إلى ما لا يُمسِكُ شَيئاً، ولم يَقِفوا عِندَ العَظمِ وَحدَه لأنَّ فيه بَقِيّةَ صورة، والمُرادُ عِندَهُم الحالُ التي لا تَبقى فيها صورةٌ البَتّة.

ثُمَّ جاءَ «كُنّا» دونَ «كانَت عِظامُنا»، فنَقَلوا أنفُسَهُم إلى المادّة، وصاروا هُمُ العِظامَ وهُمُ الرُّفات. ونُكِّرَتِ الكَلِمَتانِ فلَم تُضافا إلى أحَد، ومَن أخرَجَ نَفسَه من اسمِه فقد سَبَقَ إلى الحُجّةِ عَلَيه.

«لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا»: اسمُ مَفعولٍ ثُمَّ وَصفٌ لِلمَصنوع

و«مَبعوثون» اسمُ مَفعول، وقد صاغوا اعتِراضَهُم بِصيغةٍ لا حَظَّ لَهُم فيها من الفِعل، فهُم يُبعَثون، ولا يَبعَثونَ ولا يَمتَنِعون. والبَعثُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه، وكَذلك الخَلق.

و«جَديدًا» من ج-د-د، وأصلُه كُتلةٌ تَجَمَّعَت فثَبَتَت، ثُمَّ دُفِعَت دَفعاً نافِذاً يَمتَدُّ إلى الأمام. فالجَديدُ في الجَذرِ ما استُؤنِفَ دَفعُه، لا ما لم يَكُنْ قَطُّ، وهُم يَنفونَ استِئنافَ الدَّفعِ بِكَلِمةٍ تَحمِلُ الاستِئنافَ في حُروفِها.

وقَد تَرَكوا سُؤالَهُم عِندَ المادّةِ ولم يُجاوِزوه. والجَوابُ آتٍ في الآيَتَينِ بَعدَها، فلا يُمسِكُ العِظامَ ولا الرُّفاتَ ولا يُنازِعُهُم فيهِما، ويَأمُرُهُم بِأن يَكونوا ما هو أقسى مِمّا صاروا إلَيه.


حَصيلة

جُملةٌ تُسَلَّمُ بِلَفظِها لِقائِلينَ بِلا اسم، فيها هَمزَتانِ في نَفَسٍ واحِد، الأولى على الظَّرفِ والثانِيةُ على الخَبَر، فيُعادُ السُّؤالُ داخِلَ السُّؤال، ولامُ تَوكيدٍ في قَلبِ ما يُنكَر، فالإثباتُ والرَّدُّ من فَمٍ واحِد. ثُمَّ حالانِ مُرَتَّبَتان: عَظمٌ يُطبِقُ فيُمسِكُ ما تَحتَه، ثُمَّ رُفاتٌ يَتَفَرَّقُ بِأدنى مَسٍّ فلا يُمسِكُ شَيئاً. ونَقَلوا أسماءَهُم إلى المادّةِ فقالوا «كُنّا» ونَكَّروا، فخَرَجوا من ذَواتِهِم قَبلَ أن يُخرَجوا. ثُمَّ صاغوا الخَبَرَ اسمَ مَفعول، فلا فِعلَ لَهُم فيه أصلاً، ووَصَفوا المُنكَرَ بِـ«جَديد»، وهي في حُروفِها كُتلةٌ ثَبَتَت ثُمَّ استُؤنِفَ دَفعُها. فهو سُؤالٌ عن المادّةِ يَنتَظِرُ جَواباً، والجَوابُ الآتي لا يَمَسُّ المادّةَ في شَيء.