الإسراء · الآية 51

﴿أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا

«أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ»: الثالِثُ لا يُسَمّى

سُمِّيَ الأوَّلُ وسُمِّيَ الثاني، ووُقِفَ عِندَ الثالِثِ فلَم يُسَمَّ، واقتُصِرَ فيه على «خَلقاً»، ثُمَّ وُصِفَ بِما لا يَحُدُّه: «مِمّا يَكبُرُ في صُدورِكُم»، فالقائِمةُ تُترَكُ مَفتوحةً عَمداً، ويُحالُ المَأمورُ على ما عِندَه.

و«مِن» لِلتَّبعيض، فالمَطلوبُ واحِدٌ مِمّا يَكبُرُ في الصُّدور، لا كُلُّه، فلَهُم أن يَنتَقوا من مَخزونِهِم أشَدَّه، ولا يُنازَعونَ في الاختِيار.

ومَدارُ الكِبَرِ في جَذرِه على ثِقَلٍ مَكتومٍ يَجري ويَتَراكَم، و«يَكبُرُ» مُضارِعٌ لم يَنقَطِع، فالتَّراكُمُ ما يَزالُ جارِياً وقتَ الخِطاب. وقد جُعِلَ لِهذا التَّراكُمِ مَوضِعٌ: «في صُدورِكُم»، والصَّدرُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه، والذي تُقَرِّرُه الآيةُ أنَّ الكِبَرَ مَنسوبٌ إلى الوِعاءِ لا إلى الشَّيءِ في نَفسِه.

وما لم تُسَمِّه الآيةُ سَمّاه المَأمورُ من صَدرِه، فكانَ في اختِيارِه خَصمَ نَفسِه.

«فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا»: سُؤالٌ عن فاعِل

والفاءُ ثُمَّ السّين: الفاءُ تَصِلُ قَولَهُم بِالأمرِ بِلا فاصِل، والسّينُ تَضَعُه في مُستَقبَلٍ قَريب، فقَولُهُم مَكتوبٌ قَبلَ أن يُقال.

وهذا أثَرُ الأمرِ الذي لم يَطلُبْ شَيئاً: أنطَقَهُم، ولم يُمتَثَلْ ولم يُرَدَّ. والآيةُ تَذكُرُ ما تَلا الأمرَ فحَسْب، ولا تَصِفُه بِوَصف.

ثُمَّ أداةُ سُؤالِهِم، فقد اختاروا «مَن» على «كَيفَ» و«هَل»، وهو سُؤالٌ عن الفاعِل، لا عن الهَيئةِ ولا عن أصلِ الوُقوع. وقد كانَ إنكارُهُم قَبلَ آيَتَينِ واقِعاً على أصلِ الوُقوعِ نَفسِه، فالسُّؤالُ عن الفاعِلِ يُسَلِّمُ بِما كانَ يُنكَر.

وقالوا «يُعيدُنا» فجَعَلوا أنفُسَهُم مَفعولاً، كما جَعَلوها في «لَمَبعوثون»، وسَمَّوا الأمرَ إعادةً. والعَودُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه، وقد جَرى في هذه السّورةِ من قَبل: وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾.

«قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ»: يُسألُ عن الثانِيةِ فيُجابُ بِالأولى

والجَوابُ يُودَعُ في فَمٍ كما أُودِعَ الأمر، و«الَّذي» مَوصولٌ لا اسم، عُرِّفَ بِفِعلِه وَحدَه، فقد سَألوا «مَن» فجاءَهُم تَعريفٌ بِعَمَلٍ سابِقٍ دونَ تَسمِية.

والفَطرُ شَقٌّ يَتَّسِعُ ثُمَّ يَجري مُستَرسِلاً، أي فَتحُ الشَّيءِ عن نَفسِه أوَّلَ ما يُفتَح. وعُدِلَ في الجَوابِ عن «الذي يَقدِرُ» وعن «الذي سَيُعيدُ» إلى الذي شَقَّكُم مَرّةً حينَ لم يَكُنْ لِلشَّقِّ سابِقة.

وقُرِنَ بِـ«أَوَّلَ مَرَّةٍ»، فوَقَعَ ثِقَلُ الجَوابِ كُلُّه على الأوَّلِيّة، وسُؤالُهُم عن تَكرارٍ يُجابُ بِالمَرّةِ التي لم يَسبِقْها شَيء، ومَن جَرى مِنه الأوَّلُ فقَدِ استُؤنِفَ بِه العَدّ.

«فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ»: حَرَكةٌ في البَدَنِ تُكتَبُ كما هي

ثُمَّ فاءٌ ثانِيةٌ وسينٌ ثانِية، فرَدُّهُمُ الثاني مَكتوبٌ كذلك قَبلَ وُقوعِه، ولَيسَ قَولاً في هذه المَرّة. والإنغاضُ حَرَكةٌ تَتَوَلَّدُ في الباطِنِ فيَنفَرِجُ عَنها الرَّأسُ نَوساً.

والآيةُ تَذكُرُ ثَلاثةَ أشياءَ ولا تَزيد: الحَرَكة، وعُضوَها «رُءوسَهُم»، وجِهَتَها «إلَيك»، ولم تَذكُرْ ما تَعني هذه الحَرَكة، ولا سَمَّت ما في نُفوسِهِم. ومَن رأى رَأساً يَفعَلُ ذلك عَرَف، والآيةُ لا تَتَكَفَّلُ بِأن تُخبِرَه.

ووَقَفَت هذه الحَرَكةُ بَينَ قَولٍ سابِقٍ وقَولٍ لاحِق، وقد قوبِلَ الجَوابُ بِبَدَنٍ يَتَحَرَّك، ولم يُقابَلْ بِكَلام، ثُمَّ عادَ الكَلامُ بَعدَها بِصيغةٍ أُخرى.

«مَتَىٰ هُوَ … عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا»: من «مَن» إلى «مَتى»

وهذا سُؤالٌ ثالِثٌ تَغَيَّرَت أداتُه، فكانَت «مَن» وصارَت «مَتى»، واطمَأنَّ السُّؤالُ إلى وُجودِ فاعِلٍ ولم يَبقَ إلّا الوَقت. والمَسافةُ بَينَ أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ و«مَتى هُوَ» تَمتَدُّ عَبرَ ثَلاثِ آيات.

ثُمَّ «هُوَ»، وهو ضَميرٌ عارٍ، فلَم يُسَمُّوا المَسؤولَ عنه، كما لم تُسَمِّ الآيةُ لَهُم أسماءً، وقد انكَمَشَ إنكارُهُم كُلُّه حتّى صارَ ضَميراً واحِداً في سُؤالٍ عن مَوعِد.

والجَوابُ ثالِثُ «قُلْ»: «عَسى» تَرَجٍّ لا خَبَرَ فيه، و«أن يَكونَ» كَونٌ لم يَقَعْ بَعد، و«قَريبًا» مُنَكَّرٌ لا يُقاسُ بِمِقدار، فهي ثَلاثُ أدَواتٍ تَمنَعُ التَّحديدَ في أربَعِ كَلِمات، ولَيسَ فيها رَدٌّ لِلسُّؤال، فقد جاءَ «قَريب» ولم يُعَيَّنْ مَتى.

و«يَكونَ» تُعيدُ الجَذرَ الذي افتُتِحَ بِه المَقطَع: قيلَ لَهُم «كونوا» فلَم يَكونوا، وقيلَ عن المَوعِدِ «عَسى أن يَكونَ»، فكانَ الكَونُ في آخِرِ الكَلامِ لِما سَألوا عنه لا لَهُم.


حَصيلة

ثالِثٌ في القائِمةِ لا يُسَمّى، يُوكَلُ إلى صُدورِهِم أن تَختارَه، و«مِن» تَبعيضِيّةٌ تَدَعُهُم يَنتَقونَ أشَدَّه، والكِبَرُ مَنسوبٌ إلى الوِعاءِ لا إلى الشَّيء، ومُضارِعُه يَدُلُّ على أنَّ التَّراكُمَ جارٍ الآن. ثُمَّ فاءٌ وسينٌ تَكتُبانِ قَولَهُم قَبلَ قَولِه، فالأمرُ الذي لم يَطلُبْ شَيئاً أنطَقَهُم، وسُؤالُهُم بِـ«مَن» يُسَلِّمُ بِما أنكَروه بِالأمس. ثُمَّ جَوابٌ يُودَعُ في فَمٍ ولا يُسَمّي اسماً، يَرُدُّ سُؤالَ التَّكرارِ إلى شَقٍّ وَقَعَ أوَّلَ مَرّة. ثُمَّ فاءٌ وسينٌ ثانِيَتان، تُكتَبُ بِهِما حَرَكةُ رَأسٍ بِجِهَتِها وعُضوِها، ولا يُذكَرُ ما تَعني. ثُمَّ تَتَحَوَّلُ الأداةُ من فاعِلٍ إلى وَقت، ويَنكَمِشُ الإنكارُ إلى ضَميرٍ عارٍ، ويُختَمُ الكَلامُ بِتَرَجٍّ وكَونٍ لم يَقَعْ وقُربٍ لا يُقاس. وقد أُمِروا أن يَكونوا فلَم يَكونوا، وقيلَ لَهُم عن الذي سَألوا عنه إنَّه عَسى أن يَكون.