طه · الآية 105

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا

«وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ»: مَوضوعُ السُّؤالِ يُنقَلُ ولَفظُه لا يُنقَل

الفاعِلُ ضَميرٌ لا يُسَمّى، فمَن سَألَ لم يُذكَر، وما بُنِيَ على تَسمِيَتِه فمِن خارِجِ الآية.

وأهَمُّ من ذلك أنَّ نَصَّ السُّؤالِ لم يُنقَل، فقد جاءَ «عَنِ الْجِبَالِ» ولم يُبَيَّنْ ماذا سَألوا عَنها، فالمَحكِيُّ مَوضوعُ السُّؤالِ دونَ صيغَتِه، ومَن صاغَ لَهُم سُؤالاً كَتَبَ ما لم يُكتَب.

و«الْجِبَالِ» مَعرِفةٌ بِالجَمع، وأصلُ ج-ب-ل كُتلةٌ تَجتَمِعُ فتَتَماسَكُ ثُمَّ تَتَعَلَّقُ بِمَوضِعِها فتَمتَدُّ فيه، ومِنه «جُبِلَ على الشَّيءِ» إذا طُبِعَ عَلَيه فلَزِمَه، و«الجِبِلّةُ» لِلخِلقةِ الثّابِتةِ التي لا تُبَدَّل.

فالجَبَلُ في جَذرِه اسمٌ لِما تَماسَكَ ولَزِمَ مَوضِعَه، وعن هذا سُئِل، أي عَمّا لا يُتَصَوَّرُ زَوالُه.

«فَقُلْ»: المَأمورُ بِه لَفظٌ يُؤَدّى

والفاءُ تَربِطُ الجَوابَ بِالسُّؤال، وأوثِرَ الأمرُ «قُلْ» على «اعلَمْ»، فالمَطلوبُ نُطقٌ يُبَلَّغ، لا مَعرِفةٌ تُختَزَن.

والجَوابُ نَفسُه خالٍ من وَصفِ الجِبال، فلا حَجمَ فيه ولا عَدَدَ ولا مَوضِعَ ولا وَقت، وفيه فِعلٌ يَقَعُ عَلَيها وفاعِلٌ يَفعَلُه، فقد سُئِلَ عن أعيانٍ فأُجيبَ عن فِعلٍ وفاعِل.

و«رَبِّي» بِياءِ المُتَكَلِّم، دونَ «رَبُّكُم» و«رَبُّ العالَمين»، فالمَأمورُ بِالقَولِ يُضيفُ الفِعلَ إلى رَبِّه هو، فيَخرُجُ الجَوابُ من فَمِ واحِدٍ يَعرِفُ إلى مَن يَنسِب.

«يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا»: فِعلٌ يُؤَكَّدُ بِاسمِه

ومَدارُ ن-س-ف على إخراجِ الشَّيءِ من بَينِ ما هو فيه ثُمَّ تَفريقِه وإبعادِه، ومِنه «المِنسَفُ» لِما يُذَرّى بِه الحَبُّ فيُفارِقُ قِشرَه، و«نَسَفَتِ الرّيحُ التُّرابَ» إذا رَفَعَته فبَدَّدَته.

فالمَقولُ أنَّها تُقتَلَعُ من مَواضِعِها ثُمَّ تُذَرّى، ولم يُعبَّرْ بِـ«تُهدَمُ» ولا «تَسقُط». وأشَدُّ ما في الكَلِمةِ أنَّها تَنزِعُ الشَّيءَ عن لُزومِه، والجَبَلُ في جَذرِه هو اللّازِمُ لِمَوضِعِه.

ثُمَّ ذُكِرَ المَصدَرُ بَعدَ الفِعل: «نَسْفًا»، فالفِعلُ مُؤَكَّدٌ بِاسمِه، فلا يُصرَفُ إلى مَجازٍ ولا يُخَفَّف.

وهذا اللَّفظُ بِعَينِه، فِعلاً ومَصدَراً، جاءَ في هذه السّورةِ قَبلَ ثَماني آيات: لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾، فقيلَ هُناكَ في العِجل، ويُقالُ هُنا في الجِبال، وهي كَلِمةٌ واحِدةٌ لِمَصنوعٍ عُبِدَ ولِأثبَتِ ما في الأرض.

ويُوقَفُ عِندَ هذا القَدر، فلا يُقَدَّرُ وَقت، ولا توصَفُ هَيئة، ولا يُقالُ كَيف. وقد أعطَتِ الآيةُ فِعلاً وفاعِلاً ومَصدَراً، ولم تُعطِ مَشهَداً.


حَصيلة

سائِلونَ لا يُسَمَّون، وسُؤالٌ يُنقَلُ مَوضوعُه ولا تُنقَلُ صيغَتُه. والمَسؤولُ عَنه «الْجِبَالِ»، وجَذرُها كُتلةٌ تَتَماسَكُ ثُمَّ تَلزَمُ مَوضِعَها، ومن هذا الأصلِ «جُبِلَ على الشَّيءِ» إذا لَزِمَه فلم يُفارِقْه. ثُمَّ يَأتي الأمرُ بِالقَولِ دونَ العِلم، فالمَطلوبُ لَفظٌ يُبَلَّغ. والجَوابُ لا يَصِفُ الجِبالَ بِشَيء، وفيه فِعلٌ يَقَعُ عَلَيها وفاعِلٌ يُضافُ إلى المُتَكَلِّمِ وَحدَه، «رَبِّي»، لا «رَبُّكُم»، فقد سُئِلَ عن أعيانٍ فأُجيبَ عن فِعلٍ وفاعِل. والفِعلُ في جَذرِه اقتِلاعٌ من بَينِ ما يُمسِكُ ثُمَّ تَذرِيةٌ وإبعاد، ومِنه ما يُذَرّى بِه الحَبُّ فيُفارِقُ قِشرَه، فالمَنزوعُ لُزومُه هو الذي كانَ اسمُه من اللُّزوم. ثُمَّ يُؤَكَّدُ الفِعلُ بِمَصدَرِه فلا يُصرَفُ عن ظاهِرِه، وهو اللَّفظُ نَفسُه، فِعلاً ومَصدَراً، الذي قيلَ في العِجلِ قَبلَ ثَماني آياتٍ من هذه السّورة. فالكَلِمةُ الواحِدةُ حَمَلَتِ المَصنوعَ الذي عُبِدَ، وحَمَلَتِ الرّاسِياتِ التي لا تُزال، وما بَينَهُما في الثَّباتِ لا يُذكَرُ في الجَواب.