طه · الآية 21

﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ

«خُذْهَا»: أمرٌ يَرُدُّ ما نَزَعَه الأمرُ الذي قَبلَه

قيلَ أَلْقِهَا﴾، ويُقالُ الآنَ «خُذْهَا»، والضَّميرُ واحِدٌ في الأمرَين، والجِهةُ مُنعَكِسة، فذاكَ إخراجٌ من اليَد، وهذا إدخالٌ إليها.

و«أَخَذَ» من أ-خ-ذ، وأصلُه إطباقٌ يَنفُذُ فيَحوز، فهو قَبضٌ يَدخُلُ في الشَّيءِ ويَستَخلِصُه إلى صاحِبِه، ولا يَقِفُ عِندَ المَسِّ والحَمل.

وأوثِرَ «خُذْهَا» على «خُذْ عَصاك»، بِالضَّميرِ الذي وَقَعَ على الحالِ الجَديدةِ في الآيةِ التي قَبلَها، فالمَأخوذُ هو المُلقى، والاسمُ لم يُعَدْ عَلَيه.

«وَلَا تَخَفْ»: نَهيٌ يَرِدُ ولا يُخبَرُ عن وُقوعِ ما نُهِيَ عنه

وهذا نَهيٌ لا خَبَر، صيغَتُه «لا» مَعَ المُضارِعِ المَجزوم، وهو مَعطوفٌ على الأمرِ بِواوٍ واحِدة، فالجُملَتانِ طَلَبٌ واحِدٌ، وليسَتا طَلَبَين.

ومَحَلُّ النَّظَرِ ما خَلَت مِنه الآية، فلم تَذكُرْ أنَّه خافَ، ولا أنَّه فَزِع، ولا وَصَفَت وَجهاً ولا خُطوة، والنَّهيُ يَقَعُ على فِعلٍ ولا يَشهَدُ بِوُقوعِه.

ولِلخَوفِ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه، والذي تَزيدُه هذه الآيةُ مَوقِعُه بَينَ أمرٍ بِالأخذِ ووَعدٍ بِالرَّدّ، فالنَّهيُ مَحفوفٌ بِهِما غَيرُ قائِمٍ وَحدَه.

«سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ»: وَعدٌ يَقَعُ على الهَيئةِ لا على الصّورة

والسّينُ لِلاستِقبال، فالرَّدُّ بَعدَ الأخذِ لا قَبلَه، وقد أُمِرَ أن يَأخُذَ ثُمَّ وُعِدَ بِالعَود، ولم يُذكَرْ مَتى.

و«نُعيدُ» على وَزنِ أفعَلَ من ع-و-د، والجَذرُ مُمتَدٌّ يَنقَبِضُ حتّى يَلتَحِمَ آخِرُه بِأوَّلِه ويَثبُتَ عَلَيه، ولِلعَودِ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه. والوَزنُ يَجعَلُ العَودَ واقِعاً بِفاعِلٍ من خارِج، فلَيسَت هي التي تَعود.

ثُمَّ المَردودُ إليه: و«سِيرَتَهَا» من س-ي-ر على وَزنِ فِعْلة، وهو بِناءُ الهَيئةِ من الفِعل، أي الهَيئةُ التي يُسارُ عَلَيها، لا الشَّيءُ الذي يَسير، فالمَوعودُ بِه هَيئةُ مَشيٍ لا صورةُ جِسم.

وهذا يُطابِقُ ما قَبلَه، فقد وُصِفَتِ الحالُ الحاضِرةُ بِحَرَكةٍ في «تَسْعَىٰ»، ووُعِدَتِ الحالُ الرّاجِعةُ بِحَرَكةٍ في «سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ»، والطَّرَفانِ مَوصوفانِ بِالمَشيِ وَحدَه.

و«الْأُولَىٰ» تَعُدُّ من غَيرِ رَقَم: إذا قيلَ أُولى فقد أُثبِتَت ثانِية، والآيةُ تُقِرُّ بِحالَينِ ولا تَصِفُ واحِدةً منهُما إلّا بِسَيرِها.


حَصيلة

أمرٌ يَرُدُّ ما نَزَعَه الأمرُ قَبلَه: «أَلْقِهَا» ثُمَّ «خُذْهَا»، والضَّميرُ واحِدٌ والجِهةُ مَعكوسة، و«أ-خ-ذ» إطباقٌ يَنفُذُ فيَحوز. ولم يُعَدِ الاسمُ عَلَيها، فالمَأخوذُ هو المُلقى. ثُمَّ نَهيٌ مَعطوفٌ بِواوٍ فيَصيرُ مَعَ الأمرِ طَلَباً واحِداً، ولم تُخبِرِ الآيةُ بِأنَّ المَنهيَّ عنه وَقَع، فلا وَجهَ يوصَف، ولا خُطوةَ تُذكَر. ثُمَّ وَعدٌ بِسينِ الاستِقبالِ ووَزنِ أفعَلَ، فالعَودُ واقِعٌ بِفاعِلٍ من خارِجٍ لا من نَفسِ العائِد. والمَردودُ إليه «سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ»، وفِعْلةُ بِناءُ الهَيئة، فهي هَيئةُ المَشيِ دونَ صورةِ الجِسم. وقد وُصِفَتِ الحالُ الحاضِرةُ بِـ«تَسْعَىٰ» والرّاجِعةُ بِـ«سِيرَتَهَا»، فهي حَرَكةٌ في مُقابَلةِ حَرَكة، ولا صورةَ في المَوضِعَين، والآيةُ تُقِرُّ بِحالَينِ وتَمنَعُ عن كُلِّ واحِدةٍ منهُما وَجهاً يُرى.