طه · الآية 22

﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَىٰ

«وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ»: حَرَكةٌ كُلُّها في بَدَنٍ واحِد

الاسمانِ كِلاهُما مُضافٌ إلى المُخاطَب: «يَدَكَ» و«جَنَاحِكَ»، ولَيسَ في الأمرِ شَيءٌ من خارِجِه، فلا عَصاً تُؤخَذ، ولا أرضٌ تُوطَأ.

و«ضَمَّ» من ض-م-م، وهو إلصاقُ الشَّيءِ بِالشَّيءِ حتّى لا تَبقى بَينَهُما فُرجة، وتَضعيفُ المِيمِ يَشُدُّ اللُّصوقَ ويُتِمُّه.

و«إِلَىٰ» تَجعَلُ الجَناحَ مُنتَهى الحَرَكةِ لا ظَرفَها، وعُدِلَ إليها عن «في جَناحِك» و«على جَناحِك»، فالحَرَكةُ تَنتَهي إليه وتَقِفُ عِندَه.

«جَنَاحِكَ»: كَلِمةُ الطّائِرِ تُوضَعُ على جَنبِ الإنسان

وأصلُ ج-ن-ح جانِبٌ يَنعَطِفُ فيَنطَوي على ما تَحتَه، ومِنه الجَناحُ يُطوى من الطّائِرِ على جَنبِه، والجَوانِحُ لِلأضلاعِ المُنعَطِفةِ على الصَّدر، وجَنَحَ إذا مالَ إلى جِهةٍ فانعَطَفَ إليها.

فالجَذرُ يُسَمّي الانعِطافَ نَفسَه، ولا يُسَمّي عُضواً بِعَينِه، ولِذلك وَقَعَ اللَّفظُ على جانِبِ الطّائِرِ وعلى جانِبِ الإنسانِ بِلا تَبَدُّلٍ في الكَلِمة.

وأوثِرَ «إلى جَناحِك» على «إلى جَنبِك»، فوُضِعَتِ اليَدُ حَيثُ يُطوى الجَناح.

«تَخْرُجْ بَيْضَاءَ»: جَوابٌ مَجزومٌ مُعَلَّقٌ بِالضَّمّ

و«تَخْرُجْ» مَجزومةٌ جَواباً لِلأمر، والتَّقديرُ: إن تَضمُمْ تَخرُجْ، فالخُروجُ مُعَلَّقٌ بِالضَّمِّ غَيرُ مُستَقِلٍّ عنه.

و«خَرَجَ» من خ-ر-ج، ومَعناه نُفوذٌ يَجري ثُمَّ يَنبَثِقُ ظاهِراً. والفِعلانِ في الآيةِ مُتَقابِلان: ضَمٌّ إلى الباطِن، ثُمَّ بُروزٌ من الباطِن، ولا يَخرُجُ إلّا ما ضُمّ.

و«بَيْضَاءَ» حالٌ واحِدةٌ لا ثانِيةَ لَها، ولِلبَياضِ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه، وخَلَتِ الآيةُ من شِدّةِ بَياضٍ ومن مُشَبَّهٍ بِه ومن ضَوءٍ يُذكَر.

«مِنْ غَيْرِ سُوءٍ»: قَيدٌ يَحرُسُ الوَصفَ الذي قَبلَه

واللَّونُ إذا قيلَ احتَمَل، فقُيِّدَ في الآيةِ نَفسِها، ولم يُترَكِ الوَصفُ يَمشي وَحدَه كَلِمةً واحِدة.

و«سُوءٍ» نَكِرةٌ مَجرورةٌ بِـ«غَيرِ»، والنَّكِرةُ في هذا المَوقِعِ تَعُمّ، فلا سُوءَ من جِهةٍ ولا من قَدر. ومادّةُ س-و-أ أثَرٌ يَتَسَرَّبُ حتّى يَبلُغَ الشَّيءَ فيَنطَبِقُ عَلَيه ويَقطَعُ ما كانَ فيه من سَلامة، ومِنه السُّوءُ لِما يَنالُ الشَّيءَ فيَنقُصُه.

فالبَياضُ مُثبَتٌ ومَصدَرُه مَنفِيّ، وحَذفُ هذا القَيدِ يُبَدِّلُ الجُملةَ ولا يُخَفِّفُها.

«آيَةً أُخْرَىٰ»: كَلِمةٌ تَعُدُّ بِلا رَقَم

و«آيَةً» مَنصوبةٌ في آخِرِ الآية، ولِلآيةِ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه، وهو العَلامةُ تَدُلُّ على ما وَراءَها.

و«أُخْرَىٰ» من أ-خ-ر، وهو ما يَقَعُ بَعدَ فاصِلٍ فيَجيءُ في إثرِه، فهي تُثبِتُ أُولى ولا تُسَمّيها، والأُولى وَقَعَت قَبلَ آيَتَينِ ولم يُعَدْ ذِكرُها هُنا.

وهذه هي الكَلِمةُ التي خُتِمَ بِها الجَوابُ الطَّويلُ في مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾، فقد أبهَمَت هُناكَ جَمعاً لا يُعَدّ، وعَدَّت هُنا واحِدةً بَعدَ واحِدة، فالكَلِمةُ الواحِدةُ تُبهِمُ في مَقامٍ وتُحصي في مَقام.


حَصيلة

أمرٌ لا يَستَعينُ بِشَيءٍ من خارِجِ البَدَن: «يَدَكَ» و«جَنَاحِكَ» كِلاهُما مُضافٌ إلى المُخاطَب، و«ضَمَّ» إلصاقٌ لا تَبقى مَعَه فُرجة، و«إلى» تَجعَلُ الجَناحَ مُنتَهىً لا ظَرفاً. والجَناحُ من ج-ن-ح جانِبٌ يَنعَطِفُ فيَنطَوي، وهو اللَّفظُ الذي يُسَمّي جانِبَ الطّائِرِ وجانِبَ الإنسانِ بِلا تَبَدُّل، فوُضِعَتِ اليَدُ حَيثُ يُطوى الجَناح. ثُمَّ جاءَت «تَخْرُجْ» مَجزومةً جَواباً لِلأمر، فالبُروزُ مُعَلَّقٌ بِالضَّمِّ ولا يَخرُجُ إلّا ما ضُمّ. و«بَيْضَاءَ» حالٌ واحِدةٌ بِلا مُشَبَّهٍ بِه ولا شِدّة، ويَتلوها القَيدُ في الآيةِ نَفسِها: «مِنْ غَيْرِ سُوءٍ»، وهو نَكِرةٌ بَعدَ «غَير» فتَعُمّ، فيُثبَتُ اللَّونُ ويُنفى مَصدَرُه في نَفَسٍ واحِد. ثُمَّ «آيَةً أُخْرَىٰ» تَعُدُّ بِلا رَقَم، فتُثبِتُ أُولى ولا تُسَمّيها، وهي الكَلِمةُ التي أبهَمَت آخِرَ الجَوابِ الطَّويلِ قَبلَ أربَعِ آيات. والآيةُ التي تُعطي لَوناً تُعطي مَعَه ما يَمنَعُ أن يُقرَأَ على غَيرِ وَجهِه.