طه · الآية 5

﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ

«الرَّحْمَٰنُ»: الاسمُ الّذي اختارَتْه الآية

وَصَفَتِ الآيةُ قَبلَها ولَم تُسَمِّ: مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾، ثُمَّ جاءَت هذه فابتَدَأَت بِالاسم، فانتَهى المَوصولُ وابتَدَأَ الاسم.

والاسمُ الّذي جاءَ «الرَّحْمَٰنُ»، ولَم يَجِئْ «اللهُ» ولا «الرَّبُّ»، وكِلاهُما مُستَعمَلٌ في المُصحَفِ في مِثلِ هذا المَوضِع، فالعُدولُ عَنهُما إلى ثالِثٍ اختِيار. والاسمُ نَفسُه يَعودُ في هذه السّورةِ بَعدُ: وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ﴾ ووَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ﴾ وإِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ﴾، فحُضورُه هُنا غَيرُ عارِض، وهو اسمٌ تَعودُ إلَيه السّورة.

و«الرَّحمن» مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه ولا يُعادُ شَرحُه هُنا، والّذي تُفيدُه هذه الآيةُ فيه أمرٌ واحِد، وهو أنَّه المُبتَدَأُ بِه في هذه الجُملةِ دونَ سِواه.

«عَلَى»: حَرفٌ يُقرَأُ كَما هو

و«عَلَى» حَرفُ استِعلاء، وهذا ما يَدُلُّ عَلَيه الحَرفُ في اللِّسانِ العَرَبيّ، وما تَدُلُّ عَلَيه الآيةُ بِه، مِن غَيرِ زِيادة.

ولَيسَ الحَرفُ هُنا زائِداً ولا مُتَخَيَّراً، فهذا الفِعلُ نَفسُه قد جاءَ في المُصحَفِ بِحَرفٍ آخَر: اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ﴾، فهو فِعلٌ واحِدٌ يَتَعَدّى مَرّةً بِـ«إلى» ومَرّةً بِـ«على»، والحَرفُ إذَن عامِلٌ في المَعنى لا حِليةٌ عَلَيه. وإذا كانَ الحَرفُ يَعمَل، فقِراءَتُه أن يُقرَأَ هو، لا أن يُستَبدَلَ بِغَيرِه.

والعَرشُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه، والّذي تُفيدُه الآيةُ فيه أنَّه مَجرورٌ بِـ«على»، ولا تَذكُرُ فيه غَيرَ ذلك، مِقداراً أو صِفةً أو مَوضِعاً.

«اسْتَوَىٰ»: جَذرٌ ووَزنٌ، ثُمَّ وُقوف

والجَذرُ س-و-ي ضَبطٌ دَقيقٌ يوصَلُ ويُربَطُ ثُمَّ يَمتَدُّ حتّى يَبلُغَ تَمامَه، ومَعناهُ في اللِّسانِ ضَبطُ الشَّيءِ على مِقدارِه بِلا نَقصٍ ولا زِيادة، ومنه «سَواء» و«التَّسوِية» و«المُساواة»، وكُلُّها تَدورُ على بُلوغِ المِقدارِ الصَّحيح.

والوَزنُ استَفعَل، وهذا ما في الكَلِمةِ من بِناء: جَذرٌ ووَزن.

وعِندَ هذا يُوقَف، فالآيةُ ثَلاثةُ أجزاء: اسمٌ، وحَرفٌ ومَجرورُه، وفِعل، وكُلُّ ما زادَ على قِراءةِ الاسمِ اسماً والحَرفِ حَرفاً والفِعلِ جَذراً ووَزناً فهو زِيادةٌ مِن خارِجِ الثَّلاثة.

السّورةُ تُفَسِّرُ نَفسَها: سِتٌّ وسَبعٌ وثَمانٍ

ولَم تُترَكِ الآيةُ وَحدَها، فقد تَلَتْها ثَلاثُ آياتٍ مُتَّصِلاتٍ بِلا فاصِل، كُلُّ واحِدةٍ مِنها تُعطي شَيئاً واحِداً.

فالأُولى تُعطي المِلك: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، والثانِيةُ تُعطي العِلم: يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾، والثالِثةُ تُعطي الأسماء: لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾، فهي مِلكٌ ثُمَّ عِلمٌ ثُمَّ أسماء، على التَّوالي، بَعدَ الآيةِ الخامِسةِ مُباشَرة.

وهذا شَرحٌ اختارَتْه السّورةُ لِنَفسِها، ووَضَعَتْه حَيثُ لا يُخطِئُه القارِئ، فالخامِسةُ تُطلَبُ في السّادِسةِ والسّابِعةِ والثّامِنة، مِن غَيرِ خُروجٍ من السّورةِ لِلعَودِ إلَيها.


حَصيلة

ثَلاثةُ أجزاء: اسمٌ، وحَرفٌ ومَجرورُه، وفِعل. أمّا الاسمُ فَـ«الرَّحْمَٰنُ» دونَ «اللهِ» ودونَ «الرَّبِّ»، وكِلاهُما وارِدٌ في مِثلِ هذا المَوضِع، فالعُدولُ إلى ثالِثٍ اختِيارُ الآية، والاسمُ نَفسُه تَعودُ إلَيه السّورةُ ثَلاثَ مَرّاتٍ بَعدُ. وأمّا الحَرفُ فَـ«عَلَى» حَرفُ استِعلاء، ولَيسَ زائِداً ولا مُتَخَيَّراً، بِدَليلِ أنَّ الفِعلَ نَفسَه قد تَعَدّى في المُصحَفِ بِـ«إلى» في مَوضِعٍ آخَر، فالحَرفُ عامِلٌ يُقرَأُ ولا يُبدَّل. وأمّا الفِعلُ فَمن س-و-ي، وهو ضَبطُ الشَّيءِ على مِقدارِه بِلا نَقصٍ ولا زِيادة، على وَزنِ استَفعَل. وهذا ما في الأجزاءِ الثَّلاثة، وعِندَه يُوقَف. والرَّحمنُ والعَرشُ مَفهومانِ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيهِما، والآيةُ لا تَزيدُ على الأوَّلِ أنَّه المُبتَدَأُ بِه، ولا على الثاني أنَّه مَجرورٌ بِـ«على». ثُمَّ إنَّ السّورةَ لَم تَدَعِ الآيةَ مُفرَدة، فأتبَعَتْها ثَلاثاً مُتَّصِلاتٍ تُعطي المِلكَ ثُمَّ العِلمَ ثُمَّ الأسماء، فالشَّرحُ مَوضوعٌ في السّورةِ نَفسِها بَعدَ المَشروحِ بِآيةٍ واحِدة، ومَن التَمَسَه من خارِجِها فقد تَرَكَ ما وُضِعَ لَه.