طه · الآية 6

﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ

«لَهُ»: لامٌ مُقَدَّمةٌ قَبلَ أن يُذكَرَ المَملوك

ابتَدَأَتِ الآيةُ بِالجارِّ والمَجرورِ قَبلَ ما يَتَعَلَّقُ بِه. لَم يُقَلْ «ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ لَه»، بَل قُدِّمَت اللّام.

والتَّقديمُ في الجُملةِ العَرَبيّةِ يَحصُر. فما يَأتي بَعدَه داخِلٌ فيما قُدِّمَ لا يَخرُجُ عنه، ومَهما طالَ العَطفُ بَقِيَ تَحتَ اللّامِ الأُولى. لامٌ واحِدةٌ في صَدرِ الآيةِ تَكفي أربَعَ جُمَلٍ بَعدَها.

وهذه أوَّلُ آيةٍ بَعدَ الّتي قَبلَها. اسمٌ وحَرفٌ وفِعلٌ هُناك، ثُمَّ مِلكٌ هُنا. فالسّورةُ تَبدَأُ شَرحَها من أوَّلِ ما يَلي.

أربَعُ «ما» لا تُسَمّي شَيئاً

أربَعُ مَوصولاتٍ مُتَعاطِفة، ولَيسَ في واحِدةٍ مِنها اسمٌ لِما تَحويه. سُمِّيَ الظَّرفُ ولَم يُسَمَّ المَظروف: السَّماواتُ والأرضُ والبَينُ وما تَحتَ الثَّرى، أمّا ما فيها فَـ«ما» وحدَها.

و«ما» تَعُمُّ ما عَقَلَ وما لَم يَعقِل، وتَعُمُّ ما عُلِمَ وما لَم يُعلَم. فالإحصاءُ مَقطوعٌ من أصلِه، إذ لا يُحصى ما لَم يُسَمَّ.

ثَلاثةُ ظُروفٍ لِأربَعِ جُمَل

اقرَأِ الحُروفَ لا الأسماءَ وَحدَها. الأُولى بِـ«في»، والثانِيةُ بِـ«في»، والثالِثةُ بِـ«بَينَ»، والرّابِعةُ بِـ«تَحتَ». ثَلاثةُ ظُروفٍ تَتَوَزَّعُ على أربَعِ جُمَل.

و«في» تُدخِلُ في الوِعاء، و«بَينَ» تُوَسِّطُ بَينَ طَرَفَين، و«تَحتَ» تَنزِلُ عَنِ الشَّيءِ إلى ما دونَه. فالحَرفُ الأوَّلُ يَحوي، والثاني يَملَأُ الفُرجة، والثالِثُ يَنزِلُ تَحتَ القاعِ نَفسِه.

والأرضُ قد ذُكِرَت في الثانِيةِ ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلَيها في الرّابِعةِ من أسفَل. مَوضِعٌ واحِدٌ يُدخَلُ فيه مَرّةً ويُنزَلُ تَحتَه مَرّة.

«مَا تَحْتَ الثَّرَىٰ»: آخِرُ الأربَعِ ولا يُرى ما تَحتَها

لَم يُقَلْ «وما تَحتَ الأرض»، وقد كانَتِ الأرضُ مَذكورةً قَبلَ كَلِمَتَين. قيلَ «الثَّرَىٰ»، والثَّرى من ث-ر-ي: دُقاقٌ رَخوٌ يَسري فيه البَلَل. ومنه «ثَرِيَتِ الأرضُ» نَدِيَت. فالثَّرى وَجهُ التُّرابِ النَّدِيِّ لا الأرضُ كُلُّها.

وفي هذا دِقّة. الأرضُ اسمٌ لِقاعٍ يُمشى عَلَيه، والثَّرى اسمٌ لِطَبَقةٍ فيه. فالنُّزولُ في الرّابِعةِ لَيسَ نُزولاً تَحتَ الأرضِ جُملةً، بَل تَحتَ أوَّلِ ما يُحفَرُ منها.

واقرَأِ الأربَعَ مَعاً. السَّماواتُ تُرى، والأرضُ تُرى، وما بَينَهُما مَجالٌ يُرى، وما تَحتَ الثَّرى وَحدَه لا يَبلُغُه بَصَر. ثَلاثةُ ظُروفٍ يُدرَكُ مَداها، ورابِعٌ يَبتَدِئُ حَيثُ يَنتَهي النَّظَر.

وعِندَ هذا الحَدِّ وَقَفَتِ الآيةُ وأوقَعَت فاصِلَتَها. المِلكُ يُذكَرُ إلى حَيثُ يَنقَطِعُ البَصَر، ثُمَّ يَستَمِرُّ ولا يَنقَطِع.


حَصيلة

لامٌ مُقَدَّمةٌ في صَدرِ الآيةِ تَحصُرُ ما بَعدَها، فتَكفي أربَعَ جُمَلٍ مَعطوفةً مَهما طالَت. وأربَعُ «ما» مَوصولةٍ لا تُسَمّي شَيئاً مِمّا تَحوي، فالظَّرفُ مَذكورٌ والمَظروفُ مَتروك، و«ما» تَعُمُّ ما عُلِمَ وما لَم يُعلَم، فيَنقَطِعُ الإحصاءُ من أصلِه. وثَلاثةُ ظُروفٍ تَتَوَزَّعُ على الجُمَلِ الأربَع: «في» تُدخِلُ في الوِعاء، ثُمَّ «بَينَ» تَملَأُ الفُرجةَ بَينَ الطَّرَفَين، ثُمَّ «تَحتَ» تَنزِلُ عَنِ القاعِ إلى ما دونَه. ولَم تَقُلِ الأخيرةُ «تَحتَ الأرض» وقَد ذُكِرَتِ الأرضُ قَبلَها بِكَلِمَتَين، بَل قالَت «تَحْتَ الثَّرَىٰ»، و ث-ر-ي دُقاقٌ رَخوٌ يَسري فيه البَلَل، فالمَقصودُ طَبَقةٌ من الأرضِ لا الأرضُ كُلُّها. والثَّلاثةُ الأُولى مَدىً يُدرِكُه البَصَر، والرّابِعُ يَبتَدِئُ حَيثُ يَنتَهي. فالآيةُ تُتابِعُ المِلكَ من أعلى ما يُرى إلى أوَّلِ ما لا يُرى، ثُمَّ تَقِفُ عِندَ الحَدِّ الّذي لا يَقِفُ عِندَه المِلك.