طه · الآية 86
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
الرُّجوعُ إلى القَوم: كَلِمةٌ واحِدةٌ تَنتَقِلُ بَينَ ثَلاثِ أيدٍ
قيلَ لَه قَبلَ سَطرٍ قَوْمَكَ﴾ بِكافِ الخِطاب. ويَقولُ الرّاوي هُنا إِلَىٰ قَوْمِهِ﴾ بِهاءِ الغَيبة. ثُمَّ يَفتَحُ هو فَمَه فيَقولُ يَا قَوْمِ﴾ بِياءِ نَفسِه.
كَلِمةٌ واحِدةٌ في ثَلاثةِ مَواضِعَ مُتَتابِعة، وفي كُلِّ مَوضِعٍ يَتَغَيَّرُ المُضافُ إلَيه. وحينَ يَتَكَلَّمُ صاحِبُ الشَّأنِ يَختارُ أقرَبَ الثَّلاثة.
والرُّجوعُ في ر-ج-ع جَريانٌ يَتَجَمَّعُ ثُمَّ يَظهَرُ من عُمقِ مَصدَرِه، فهو اتِّصالٌ بِالأصلِ لا مُجَرَّدُ عَودةٍ في المَكان. ولذلك عُدِّيَ بِـ«إلى» ووَقَعَ مُنتَهاهُ على جَماعةٍ لا على مَوضِع.
«غَضْبَانَ أَسِفًا»: حالانِ مُتَجاوِرانِ بِلا واو
حالانِ وُضِعا مُتَلاصِقَينِ ولم يُعطَفْ أحَدُهُما على الآخَر. ولَو دَخَلَتِ الواوُ لَصارا اثنَينِ يُعَدّان. وقد سَقَطَت، فصارا وَصفاً واحِداً في مَوقِفٍ واحِد.
و«غَضْبان» على وَزنِ فَعلان، وهو في العَرَبِيّةِ وَزنُ الامتِلاءِ بِالحال: عَطشانُ وجَوعانُ وغَضبان. والغَضَبُ في غ-ض-ب نُفوذٌ يَجري من غَورٍ تَحتَ ضَغطٍ كَثيفٍ ثُمَّ يَلتَصِقُ ظاهِراً فيَتَوَرَّم.
و«أَسِفًا» على وَزنِ فَعِل، وهو أخَفُّ في البِناءِ وأعمَقُ في المَوضِع. والأسَفُ في أ-س-ف حَبسٌ في مَضيقٍ لا يَجِدُ إلّا شَقّاً ضَيِّقاً يَتَنَفَّسُ مِنه. وقد استَعمَلَتِ العَرَبُ هذا الأصلَ لِلحُزنِ الشَّديدِ ولِلغَيظِ المَكظوم. فأيُّ المَعنَيَينِ هُنا لا تُعَيِّنُه الآية، والوَجهانِ قائِمان.
ثُمَّ تَعودُ مادّةُ الغَضَبِ في الآيةِ نَفسِها: غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾. جاءَ أوَّلاً حالاً لازِمةً لِرَجُل، وجاءَ آخِراً نَكِرةً تَنزِلُ من فَوق. اللَّفظُ واحِدٌ والمَوقِعانِ مُختَلِفان.
ثَلاثةُ أسئِلةٍ مُتَتالِيَة: واحِدٌ يُثَبِّتُ واثنانِ يَقتَسِمانِ الأرض
الأوَّلُ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾. استِفهامٌ داخِلٌ على نَفي، وجَوابُه إثباتٌ لا مَحالة. فالسُّؤالُ الأوَّلُ لا يَستَخبِرُ، بل يُقيمُ أرضاً يَقِفُ عَلَيها ما بَعدَه.
ثُمَّ يَنقَسِمُ الباقي بِـ«أم». أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ سُؤالٌ عن الزَّمَن: هل استَطالَ الأمَدُ حَتّى انفَرَطَ ما عُقِد. وأَمْ أَرَدتُّمْ﴾ سُؤالٌ عن الإرادة.
والقِسمةُ لا تَترُكُ ثالِثاً. إمّا أن يَكونَ الطّولُ هو الذي حَلَّ العَقد، وإمّا أن تَكونَ الإرادةُ قَصَدَت ما يَنزِل. والفَرقُ بَينَ الشِّقَّينِ أنَّ الأوَّلَ يَقَعُ على المَرءِ والثّاني يَصدُرُ عنه، ولَيسَ في واحِدٍ مِنهُما عُذر.
«فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي»: فُرجةٌ تَمتَدُّ بَينَ اثنَين
الخُلفُ في خ-ل-ف فُرجةٌ تَمتَدُّ بَينَ طَرَفَينِ فتُبعِدُ أحَدَهُما عن الآخَر. و«أخلَفَ الوَعدَ» تَرَكَ مَوضِعَه خالِياً.
والمَوعِدُ مُضافٌ إلى ياءِ المُتَكَلِّم، لا إلى الرَّبِّ ولا إلى الجَماعة. فالمَوضِعُ الذي بَقِيَ خالِياً مَوضِعٌ بَينَهُم وبَينَ رَجُلٍ واحِد.
وهذه الكَلِمةُ هي التي سيُرَدُّ بِها عَلَيه في الآيةِ التّالِية، بِلَفظِها وبِتَبديلِ الضَّميرِ وَحدَه.
حَصيلة
تَنتَقِلُ «قَوم» في ثَلاثِ خُطُواتٍ من كافِ المُخاطَبِ إلى هاءِ الغائِبِ إلى ياءِ المُتَكَلِّم، وحينَ يَتَكَلَّمُ صاحِبُ الشَّأنِ يَختارُ أقرَبَها. والرُّجوعُ في ر-ج-ع جَريانٌ يَتَجَمَّعُ ثُمَّ يَظهَرُ من عُمقِ مَصدَرِه، فمُنتَهاهُ جَماعةٌ لا مَوضِع. ثُمَّ حالانِ بِلا واو: «غَضبان» على فَعلانَ وَزنِ الامتِلاء، والغَضَبُ في غ-ض-ب بُروزٌ مَكبوتٌ يَلتَصِقُ ويَتَوَرَّم؛ و«أَسِفًا» على فَعِلٍ، والأسَفُ حَبسٌ في مَضيقٍ يَتَنَفَّسُ من شَقٍّ ضَيِّق، تَستَعمِلُه العَرَبُ لِلحُزنِ ولِلغَيظِ المَكظوم، والآيةُ لا تُعَيِّن. ثُمَّ يَعودُ لَفظُ الغَضَبِ نَكِرَةً نازِلةً من فَوق، فالمَوقِعانِ اثنانِ واللَّفظُ واحِد. وثَلاثةُ أسئِلة: أوَّلُها استِفهامٌ على نَفيٍ يُقيمُ الأرض، ثُمَّ «أم» تَقسِمُ ما بَقِيَ قِسمَينِ لا ثالِثَ لَهُما: طولُ أمَدٍ يَقَعُ على المَرء، أو إرادةٌ تَصدُرُ عنه. وتَنتَهي الآيةُ إلى فُرجةٍ في خ-ل-ف تُبعِدُ طَرَفاً عن طَرَف، ومَوعِدٍ مُضافٍ إلى ياءِ رَجُلٍ واحِد. سُئِلوا سُؤالَينِ لا مَخرَجَ من بَينِهِما، وسيُجيبونَ في السَّطرِ التّالي بِالكَلِمةِ نَفسِها مَقلوبةَ الضَّمير.