طه · الآية 86

﴿فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي

الرُّجوعُ إلى القَوم: كَلِمةٌ واحِدةٌ تَنتَقِلُ بَينَ ثَلاثِ أيدٍ

جاءَ قَبلَ آيةٍ قَوْمَكَ﴾ بِكافِ الخِطابِ مَقولاً لَه، ويَقولُ الرّاوي هُنا إِلَىٰ قَوْمِهِ﴾ بِهاءِ الغَيبة، ثُمَّ يَتَكَلَّمُ هو فيَقولُ يَا قَوْمِ﴾ بِياءِ نَفسِه.

فهي كَلِمةٌ واحِدةٌ في ثَلاثةِ مَواضِعَ مُتَتابِعة، يَتَغَيَّرُ المُضافُ إلَيه في كُلِّ مَوضِعٍ مِنها، وحينَ يَتَكَلَّمُ صاحِبُ الشَّأنِ يَختارُ أقرَبَ الثَّلاثة.

والرُّجوعُ من ر-ج-ع، وأصلُه جَرَيانٌ يَتَجَمَّعُ ثُمَّ يَظهَرُ من عُمقِ مَصدَرِه، فهو اتِّصالٌ بِالأصل، ولا يَقِفُ عِندَ العَودةِ في المَكان، ولذلك عُدِّيَ بِـ«إلى» ووَقَعَ مُنتَهاهُ على جَماعة، دونَ مَوضِع.

«غَضْبَانَ أَسِفًا»: حالانِ مُتَجاوِرانِ بِلا واو

وهُما حالانِ وُضِعا مُتَلاصِقَينِ ولم يُعطَفْ أحَدُهُما على الآخَر، ولَو دَخَلَتِ الواوُ لَصارا اثنَينِ يُعَدّان، فلَمّا سَقَطَت صارا وَصفاً واحِداً في مَوقِفٍ واحِد.

و«غَضْبان» على وَزنِ فَعلان، وهو في العَرَبِيّةِ وَزنُ الامتِلاءِ بِالحال، كعَطشانَ وجَوعانَ وغَضبان. ومادّةُ غ-ض-ب نُفوذٌ يَجري من غَورٍ تَحتَ ضَغطٍ كَثيفٍ ثُمَّ يَلتَصِقُ ظاهِراً فيَتَوَرَّم.

و«أَسِفًا» على وَزنِ فَعِل، وهو أخَفُّ في البِناءِ وأعمَقُ في المَوضِع. والأسَفُ من أ-س-ف، وهو حَبسٌ في مَضيقٍ لا يَجِدُ إلّا شَقّاً ضَيِّقاً يَتَنَفَّسُ مِنه، ويُستَعمَلُ هذا الأصلُ في كَلامِ العَرَبِ لِلحُزنِ الشَّديدِ ولِلغَيظِ المَكظوم، والآيةُ لا تُعَيِّنُ أيَّ المَعنَيَينِ هو المُراد، فالوَجهانِ قائِمان.

ثُمَّ تَعودُ مادّةُ الغَضَبِ في الآيةِ نَفسِها: غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾، فقد جاءَت أوَّلاً حالاً لازِمةً لِرَجُل، وجاءَت آخِراً نَكِرةً تَنزِلُ من فَوق، واللَّفظُ واحِدٌ والمَوقِعانِ مُختَلِفان.

ثَلاثةُ أسئِلةٍ مُتَتالِيَة: واحِدٌ يُثَبِّتُ واثنانِ يَقتَسِمانِ الأرض

الأوَّلُ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾، وهو استِفهامٌ داخِلٌ على نَفي، وجَوابُه إثباتٌ لا مَحالة، فالسُّؤالُ الأوَّلُ يُقيمُ أرضاً يَقِفُ عَلَيها ما بَعدَه، وليسَ استِخباراً.

ثُمَّ يَنقَسِمُ الباقي بِـ«أم»: أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ سُؤالٌ عن الزَّمَن، أي هل استَطالَ الأمَدُ حَتّى انفَرَطَ ما عُقِد، وأَمْ أَرَدتُّمْ﴾ سُؤالٌ عن الإرادة.

والقِسمةُ لا تَترُكُ ثالِثاً، فإمّا أن يَكونَ الطّولُ هو الذي حَلَّ العَقد، وإمّا أن تَكونَ الإرادةُ قَصَدَت ما يَنزِل. والفَرقُ بَينَ الشِّقَّينِ أنَّ الأوَّلَ يَقَعُ على المَرءِ والثّاني يَصدُرُ عَنه، وليسَ في واحِدٍ مِنهُما عُذر.

«فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي»: فُرجةٌ تَمتَدُّ بَينَ اثنَين

والخُلفُ من خ-ل-ف، ومَعناه فُرجةٌ تَمتَدُّ بَينَ طَرَفَينِ فتُبعِدُ أحَدَهُما عن الآخَر، و«أخلَفَ الوَعدَ» تَرَكَ مَوضِعَه خالِياً.

والمَوعِدُ مُضافٌ إلى ياءِ المُتَكَلِّم، دونَ الرَّبِّ والجَماعة، فالمَوضِعُ الذي بَقِيَ خالِياً مَوضِعٌ بَينَهُم وبَينَ رَجُلٍ واحِد.

وهذه الكَلِمةُ هي التي سيُرَدُّ بِها عَلَيه في الآيةِ التّالِية، بِلَفظِها وبِتَبديلِ الضَّميرِ وَحدَه.


حَصيلة

تَنتَقِلُ «قَوم» في ثَلاثِ خُطُواتٍ من كافِ المُخاطَبِ إلى هاءِ الغائِبِ إلى ياءِ المُتَكَلِّم، وحينَ يَتَكَلَّمُ صاحِبُ الشَّأنِ يَختارُ أقرَبَها. والرُّجوعُ من ر-ج-ع جَرَيانٌ يَتَجَمَّعُ ثُمَّ يَظهَرُ من عُمقِ مَصدَرِه، فمُنتَهاهُ جَماعةٌ لا مَوضِع. ثُمَّ حالانِ بِلا واو: «غَضبان» على فَعلانَ وَزنِ الامتِلاء، والغَضَبُ من غ-ض-ب بُروزٌ مَكبوتٌ يَلتَصِقُ ويَتَوَرَّم، و«أَسِفًا» على فَعِل، والأسَفُ حَبسٌ في مَضيقٍ يَتَنَفَّسُ من شَقٍّ ضَيِّق، يُستَعمَلُ في كَلامِ العَرَبِ لِلحُزنِ ولِلغَيظِ المَكظوم، والآيةُ لا تُعَيِّن. ثُمَّ يَعودُ لَفظُ الغَضَبِ نَكِرةً نازِلةً من فَوق، فالمَوقِعانِ اثنانِ واللَّفظُ واحِد. وفيها ثَلاثةُ أسئِلة: أوَّلُها استِفهامٌ على نَفيٍ يُقيمُ الأرض، ثُمَّ تَقسِمُ «أم» ما بَقِيَ قِسمَينِ لا ثالِثَ لَهُما: طولَ أمَدٍ يَقَعُ على المَرء، أو إرادةً تَصدُرُ عَنه. وتَنتَهي الآيةُ إلى فُرجةٍ من خ-ل-ف تُبعِدُ طَرَفاً عن طَرَف، ومَوعِدٍ مُضافٍ إلى ياءِ رَجُلٍ واحِد. وقد سُئِلوا سُؤالَينِ لا مَخرَجَ من بَينِهِما، وسيُجيبونَ في الآيةِ التّالِيةِ بِالكَلِمةِ نَفسِها مَقلوبةَ الضَّمير.