طه · الآية 91

﴿قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ

«لَن نَّبْرَحَ»: لُزومٌ يُصاغُ من فِعلِ المُفارَقة

«لَن» أشَدُّ ما تَنفي بِه العَرَبِيّةُ المُستَقبَل. وُضِعَت أوَّلَ الجَوابِ فأغلَقَتْ ما هو آتٍ.

والفِعلُ بَعدَها فِعلُ ذَهابٍ لا فِعلُ مُقام. فالبَراحُ في ب-ر-ح خُروجٌ يَجري ويَخلُصُ عن مَوضِعِه، ومنه «البَراح» الأرضُ الواسِعةُ لا حاجِزَ فيها.

فالجُملةُ تُقيمُهُم بِنَفيِ الرَّحيلِ لا بِإثباتِ الإقامة. وهذا أثبَتُ في الأُذُنِ من أن يُقالَ «سنَبقى»: مَن نَفى المُفارَقةَ سَدَّ البابَ الذي يُخرَجُ مِنه.

«عَلَيْهِ عَاكِفِينَ»: حالٌ تُضاعِفُ الأولى

والعُكوفُ في ع-ك-ف انحِباسٌ في مَحَلٍّ ولُزومٌ لِشَأنٍ واحِدٍ لا يُصرَفُ عنه صاحِبُه. ثُمَّ عُدِّيَ بِـ«على» وقُدِّمَ الجارُّ والمَجرورُ على الحال.

فصارَ في الجُملةِ لُزومانِ لا واحِد: نَفيُ الرَّحيلِ ثُمَّ الانحِباسُ في مَوضِع. الأوَّلُ يُغلِقُ الخُروجَ والثّاني يَملَأُ الداخِل.

وسَتَعودُ هذه الكَلِمةُ بِعَينِها في هذا المَشهَدِ مُفرَدةً بِحَرفِها نَفسِه: ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾. تُقالُ هُنا عن جَماعةٍ وتُقالُ هُناكَ عن رَجُلٍ واحِد، و«عَلَيه» في المَوضِعَينِ سَواء.

«حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ»: امتِناعٌ يَحمِلُ في نَفسِه نِهايَتَه

«حَتّى» تَنصِبُ المُضارِعَ وتَجعَلُ ما بَعدَها غايةً يَنتَهي إلَيها ما قَبلَها. فالامتِناعُ المُؤَكَّدُ بِـ«لَن» مَحدودٌ بِسَطرِه نَفسِه.

ولَيسَتِ الغايةُ حُجّةً تَقومُ ولا بَيانٌ يَظهَر. الغايةُ رَجُلٌ يَعود.

وقد قيلَ قَبلَ خَمسِ آيات: فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ﴾. فالحِكايةُ قَدَّمَتِ العَودةَ وأخَّرَتِ انتِظارَها، والقارِئُ يَسمَعُ الغايةَ وهي قد بَلَغَت. تَرتيبُ الخَبَرِ لَيسَ تَرتيبَ الوَقائِع.

والاسمُ في آخِرِ الجُملةِ بَعدَ الفِعلِ وبَعدَ الجارِّ والمَجرور. أُخِّرَ إلى المَوضِعِ الأخيرِ فوَقَعَت عَلَيه فاصِلةُ الآية.


حَصيلة

جَوابٌ يُقيمُ أصحابَه بِنَفيِ الرَّحيلِ لا بِإثباتِ الإقامة: «لَن» أشَدُّ نَفيٍ لِلمُستَقبَل، والفِعلُ بَعدَها من ب-ر-ح وهو خُروجٌ يَجري ويَخلُصُ عن مَوضِعِه، ومنه «البَراح» الأرضُ الواسِعةُ لا حاجِزَ فيها. فمَن نَفى المُفارَقةَ سَدَّ البابَ الذي يُخرَجُ مِنه. ثُمَّ حالٌ ثانِيةٌ تُضاعِفُ الأولى: العُكوفُ في ع-ك-ف انحِباسٌ في مَحَلٍّ ولُزومٌ لِشَأنٍ واحِد، مُعَدّىً بِـ«على» ومُقَدَّماً عَلَيه جارُّه. لُزومانِ إذاً: واحِدٌ يُغلِقُ الخُروجَ وواحِدٌ يَملَأُ الدّاخِل. وستَعودُ الكَلِمةُ في هذا المَشهَدِ مُفرَدةً بِالحَرفِ نَفسِه، تُقالُ عن رَجُلٍ واحِدٍ بَعدَ أن قيلَت عن جَماعة. ثُمَّ «حَتّى» تَجعَلُ لِلامتِناعِ المُؤَكَّدِ غايةً في سَطرِه، والغايةُ لَيسَت بُرهاناً يَقومُ بَل رَجُلٌ يَعود. وقد قيلَت عَودَتُه قَبلَ خَمسِ آيات، فالحِكايةُ قَدَّمَتِ العَودةَ وأخَّرَت انتِظارَها. امتِناعٌ يَحمِلُ نِهايَتَه في لَفظِه، ويَسمَعُه القارِئُ وقد بَلَغَت غايَتُه قَبلَ أن يُقال.