طه · الآية 99

﴿كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ ۚ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ ۚ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا

«كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ»: إشارةٌ إلى الوَراء، وفِعلٌ لم يَنقَطِع

والكافُ لِلتَّشبيه، والمُشارُ إلَيه قَبلَها لا بَعدَها، فالجُملةُ تَقِفُ على آخِرِ خَبَرٍ طَويلٍ انتَهى وتَقولُ فيه: هكذا، فهي خَتمٌ يُسَمّي ما مَضى، وليسَت افتِتاحاً.

و«نَقُصُّ» مُضارِعٌ لا ماضٍ، والقِصّةُ التي فَرَغَت يُخبَرُ عَنها بِفِعلٍ لم يَفرُغ، فالقَصُّ حالٌ قائِمةٌ غَيرُ حَدَثٍ انقَضى.

وأصلُ ق-ص-ص قَطعٌ يُمسِكُ ما قَطَعَ ثُمَّ يُجريه شَيئاً بَعدَ شَيء، ومِنه «قَصَّ الأثَرَ» إذا تَتَبَّعَه خُطوةً خُطوة، لا يَقفِزُ ولا يَدَعُ ما بَينَ المَوطِئَين، فالقَصُّ اقتِفاءٌ مُرَتَّب، والقِصّةُ خَبَرٌ يُتَتَبَّعُ ولا يُلقى جُملةً واحِدة.

و«عَلَيْكَ» تَجعَلُ المَقصوصَ واقِعاً على المُخاطَبِ غَيرَ مَعروضٍ بَينَ يَدَيه، ومَن قُصَّ عَلَيه شَيءٌ حُمِّلَه.

«مِنْ أَنبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ»: حَرفٌ يُبَعِّض، ومَوصولٌ لا يُسَمّي

ويُبدَأُ في النَّظَرِ بِالحَرفِ قَبلَ المُضاف، فقد أوثِرَ «مِنْ أَنبَاءِ» على «أنباءَ ما قَد سَبَق»، فالمُعطى بَعض، والبَعضِيّةُ مَنصوصةٌ غَيرُ مُستَنبَطة.

والمَوضِعُ جَديرٌ بِالتَّنبيه، فالسّورةُ التي حَكَت أطوَلَ حَديثٍ فيها عَقَّبَته بِحَرفٍ يُصَغِّرُ ما حَكَته إلى بَعضٍ من أنباء، وما سَكَتَت عَنه هو المُعلَنُ في «مِنْ»، وليسَ ثُلمةً في الحِكاية.

و«النَّبَأ» من ن-ب-أ، ولا يُقالُ لِكُلِّ خَبَر، ومَدارُ الجَذرِ على نُتوءٍ يَنبَعِثُ من باطِنٍ ثُمَّ يُطلَقُ دَفعةً حادّةً فيَبين، فالنَّبَأُ خَبَرٌ ذو شَأنٍ يَنتَأُ بِه عن سائِرِ الكَلام، لا كُلُّ ما يُروى.

و«مَا قَدْ سَبَقَ» مَوصولٌ مُبهَم، فلا قَرنَ يُسَمّى ولا قَومَ ولا زَمَنَ يُؤَرَّخ. و«سَبَقَ» من س-ب-ق: نُفوذٌ يَخرُجُ من بَينِ الأشياءِ ثُمَّ يُقطَعُ لَه الأمرُ فيَتَقَدَّم، فالسّابِقُ مَن فَصَلَ بَينَه وبَينَ مَن خَلفَه، والخَبَرُ عَمّا سَبَقَ خَبَرٌ عَمّا صارَ أمامَ، لا عَمّا صارَ وَراء.

«وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا»: عَطاءٌ ثانٍ لم يُبَعَّض

واستُؤنِفَتِ الجُملةُ بِـ«وَقَدْ»، وهي لِتَحقيقِ فِعلٍ تَمّ، فالأوَّلُ مُضارِعٌ جارٍ والثّاني ماضٍ مُحَقَّق، أي قَصٌّ مُستَمِرٌّ وإيتاءٌ مَفروغٌ مِنه.

و«مِن لَّدُنَّا» تَذكُرُ الجِهةَ ولا تَذكُرُ الواسِطة، و«لَدُن» مَبدَأُ الشَّيءِ من عِندِ صاحِبِه، فالعَطاءُ مَنسوبٌ إلى مَصدَرِه دونَ طَريقِه.

وفي الآيةِ فَرقٌ تَصنَعُه بِحَرفٍ واحِد، فقد جاءَ في الأوَّلِ «مِنْ أَنبَاءِ»، ولم يَجِئْ في الثّاني «مِن ذِكرٍ»، فالخَبَرُ بُعِّضَ والذِّكرُ لم يُبَعَّض.

والذِّكرُ من ذ-ك-ر: اختِراقٌ حادٌّ يَقبِضُ على المَعنى ثُمَّ يَمُدُّه في الزَّمَن، فهو إمساكٌ يُعادُ إحضارُه، لا خُطورٌ يَمُرُّ ويَزول. وهو اللَّفظُ نَفسُه الذي عُلِّقَت بِه الصَّلاةُ في هذه السّورة: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، فقد أُمِرَ هُناكَ بِإقامةٍ لِأجلِه، ويُخبَرُ هُنا بِأنَّه أُوتِيَه.


حَصيلة

كافٌ تَنظُرُ إلى الوَراءِ فتَختِمُ خَبَراً طَويلاً بِكَلِمة، وفِعلٌ مُضارِعٌ يَجعَلُ ما فَرَغَ جارِياً لم يَفرُغ. والقَصُّ في أصلِه اقتِفاءُ أثَرٍ خُطوةً خُطوة، فما أُعطِيَ تُتُبِّعَ على تَرتيبِه ولم يُلقَ جُملةً. ثُمَّ يَأتي الحَرفُ الذي يُعَلِّمُ الحَدّ: «مِنْ أَنبَاءِ»، فهو بَعضٌ لا كُلّ، والنَّبَأُ ما نَتَأَ من الكَلامِ بِشَأنِه، لا كُلُّ ما يُقال، و«مَا قَدْ سَبَقَ» يَبقى بِلا اسمٍ ولا وَقت. ثُمَّ تُستَأنَفُ جُملةٌ ثانِيةٌ بِماضٍ مُحَقَّق، ويُنسَبُ العَطاءُ إلى مَصدَرِه «مِن لَّدُنَّا» بِلا ذِكرِ طَريق، ويُنَكَّرُ المُعطى «ذِكْرًا» بِلا حَرفِ تَبعيض، فالسّورةُ تُعطي من الخَبَرِ بَعضَه، وتُعطي الذِّكرَ بِلا حَدّ، وما بُعِّضَ يُتَتَبَّعُ أثَراً، وما لم يُبَعَّضْ يُحمَلُ كامِلاً.