النبأ · الآية 16

﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا

«وَجَنَّاتٍ»: ثالِثُ ما يُخرَجُ بِالماءِ الواحِد

الواوُ تَعطِفُ على ما قَبلَها، فالجَنّاتُ داخِلةٌ في لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا﴾. لَم يُقَلْ إنَّها بُنِيَت ولا غُرِسَت، بَل أُخرِجَت كما أُخرِجَ الحَبُّ والنَّبات.

وهذا يَنقُلُ البُستانَ من بابِ الصَّنعةِ إلى بابِ النُّبوت. فالجَنّةُ في هذه الآيةِ لَيست عَمَلَ يَدٍ تُرَتِّب، بَل آخِرَ ما يَصعَدُ من ماءٍ نَزَل. حَبٌّ يَنضَمّ، ونَباتٌ يَنفَتِح، وجَنّاتٌ تُطبِقُ على الاثنَين.

«جَنَّاتٍ»: اسمٌ يُسَمّي السِّترَ لا الخُضرة

ج-ن-ن جَمعٌ في حَيِّزٍ يَحتَبِسُ فيه ما بِداخِلِه فيُستَرُ ويُحجَبُ عنِ العَين. ومن هذا الجِذرِ يُسَمّى المَستورُ في البَطنِ جَنيناً، ويُسَمّى ما يُتَوَقّى بِه فيَستُرُ جُنّةً.

فالجَنّةُ مَوضِعٌ سُمِّيَ بِما يَفعَلُه بِالنّاظِر: يَحجُبُ. أشجارٌ تَكاثَفَت حتّى غَطَّت أرضَها، فلا يُرى ما تَحتَها من خارِجِها. ولَو أُريدَ لَونُها أو ثَمَرُها لَجاءَ لَها اسمٌ آخَر. اختيرَ الاسمُ الذي يَقولُ إنَّها تَستُر.

«أَلْفَافًا»: طَبَقٌ على طَبَقٍ حتّى لا تَبقى فُرجة

ل-ف-ف تَعَلُّقٌ يَجري مُتَّصِلاً فيَدورُ على ما تَعَلَّقَ بِه، والتَّضعيفُ يُعيدُ الدَّورَ طَبَقاً فَوقَ طَبَق. فاللَّفُّ لَيسَ تَجاوُراً، بَل دُخولُ الشَّيءِ في الشَّيءِ حتّى يَتَعَذَّرَ فَرزُه.

و«ألفافاً» جَمع، فلَيسَت لَفّةً واحِدةً بَل لَفّاتٌ مُتَداخِلة. وهي فاصِلةُ الآيةِ وخاتِمةُ القائِمةِ مَعاً: بَدَأتِ الأسماءُ بِثَوبٍ يُلبَس، وانتَهَت بِنَباتٍ يَلتَفّ. أوَّلُها غِطاءٌ يُخلَع، وآخِرُها غِطاءٌ يَنبُتُ من الأرضِ فلا يُخلَع.


حَصيلة

كَلِمَتانِ تُنهيانِ قائِمةَ الصُّنع. الأولى مَعطوفةٌ على المُخرَجِ بِالماء، فالبَساتينُ تَخرُجُ ولا تُبنى، وهي آخِرُ ما يَصعَدُ من ماءٍ نَزَل. والثانِيةُ تَصِفُها بِالالتِفافِ المُعادِ حتّى لا تَبقى بَينَ أغصانِها فُرجة. وج-ن-ن في أصلِه سِترٌ يَحجُب، ول-ف-ف دَورٌ يُعادُ فيَضُمّ، فالاسمُ والوَصفُ يَقولانِ الشَّيءَ نَفسَه من جِهَتَين. ثُمَّ تَنقَلِبُ السورةُ بَعدَ هذه الفاصِلةِ إلى إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾. تَختِمُ آياتُ الصُّنعِ على ما لا يُفرَزُ بَعضُه من بَعض، ثُمَّ يُذكَرُ يَومٌ يُفصَلُ فيه.