النبأ · الآية 17

﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا

«يَوْمَ الْفَصْلِ»: حِصّةٌ تُسَمّى بِما يَقَعُ فيها

افتُتِحَتِ الآيةُ بِـ«إنَّ» لِلتَّثبيت، والمُثبَتُ يَوم. واليَومُ في ي-و-م حِصّةٌ لَها طَرَفان، مُدّةٌ تَمتَدُّ ثُمَّ تَلتَئِمُ عِندَ آخِرِها، لا الزَّمَنُ كُلُّه، فما يُسَمّى يَوماً مَحدودٌ من جِهَتَيه وإن طال.

وعُرِّفَ هذا اليَومُ بِما يَجري فيه: «الْفَصْلِ»، دونَ مَوقِعِه من العَدّ، فالحِصّةُ تُسَمّى بِالحَدَثِ الذي يَملَؤُها، كما يُسَمّى المَوضِعُ بِما يُصنَعُ فيه. وقد كانَتِ السّورةُ سَأَلَت عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ ولم تُسَمِّه، ثُمَّ وَصَفَته بِأنَّه الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾، وهُنا تَضَعُ في طَريقِ السّائِلِ يَوماً بِاسمِه.

«الْفَصْلِ»: الحَدُّ الذي كانَ غائِباً عن الاختِلاف

ف-ص-ل قَطعٌ بِحَدٍّ صُلبٍ يُعطي كُلَّ جُزءٍ حُدودَه، فهو حافّةٌ تَقَعُ بَينَ شَيئَينِ كانا مُلتَبِسَينِ فيَقومُ كُلٌّ مِنهُما وَحدَه مَعروفَ الطَّرَف، ولَيسَ تَمزيقاً يُبَدِّد. ولِذلك يُقالُ «فَصَلَ بَينَ الخَصمَين»، ولِذلك سُمِّيَت آخِرةُ الآيةِ فاصِلة، إذ هي كَلِمةٌ تَختِمُ بِحَدٍّ يُسمَع.

وفي «مُخْتَلِفُونَ» فاءٌ ولام، وفي «الْفَصْلِ» فاءٌ ولام، فالحَرفانِ اللَّذانِ يُفَرِّقانِ ويُمَيِّزانِ حاضِرانِ في الكَلِمَتَين، وتَنفَرِدُ الثّانِيةُ بِصادٍ بَينَهُما، وهي الحَدُّ الصُّلبُ المُمسِك. فالاختِلافُ تَفَرُّقٌ بِلا حافّةٍ تَقطَع، يَقِفُ فيه كُلُّ طَرَفٍ عِندَ ظَهرِ الآخَرِ ولا شَيءَ يَحسِمُ بَينَهُما، والفَصلُ هو التَّفَرُّقُ نَفسُه وقد دَخَلَته الصاد.

فما سُئِلَ عَنه في أوَّلِ السّورةِ اختِلاف، وما وُعِدَ بِه هُنا فَصل، والصادُ وَحدَها هي الحافّةُ بَينَ حالِ القَومِ ويَومِهِم.

«كَانَ مِيقَاتًا»: ماضٍ يُخبِرُ عن آتٍ

والخَبَرُ بِالماضي: «كانَ»، وهو مَحمولٌ على يَومٍ لم يَأتِ بَعد. و«كانَ» في ك-و-ن ثُبوتُ الأمرِ لِصاحِبِه واستِقرارُه فيه، فالمُخبَرُ عَنه حالٌ ثابِتةٌ فُرِغَ مِنها، ولَيسَ وَعداً يُنشَأُ الآن.

و«المِيقات» من و-ق-ت، وهو لَحظةٌ تُقتَطَعُ من الزَّمَنِ المُتَّصِلِ فتُعَيَّنُ بِدِقّة، وقد جاءَ على وَزنِ المِفعال، وَزنِ الآلةِ ومَوضِعِ الفِعل، فهو ما يُوَقَّتُ بِه، أو الحَدُّ الذي يُنتَهى إلَيه. فالوَقتُ في هذا الجَذرِ عَلامةٌ تُوضَعُ على الامتِداد، ولم يُجعَلِ امتِداداً يُقاس.

وفي الكَلِمَتَينِ اجتَمَعَ فَصلٌ يَقطَعُ بَينَ المُختَلِفين، ومِيقاتٌ يَقطَعُ في الزَّمَنِ حَدّاً، فهو القَطعُ في المَوضوعِ والقَطعُ في المَوعِد، واليَومُ الذي يَفصِلُ بَينَ النّاسِ هو نَفسُه يَومٌ مَفصولٌ في المُدّة.


حَصيلة

فهو يَومٌ يُثبَتُ بِـ«إنَّ»، ويُسَمّى بِما يَقَعُ فيه دونَ مَوقِعِه من العَدّ. و«اليَوم» في ي-و-م حِصّةٌ ذاتُ طَرَفَينِ غَيرُ زَمَنٍ مُطلَق، و«الفَصل» في ف-ص-ل قَطعٌ بِحَدٍّ صُلبٍ يُعطي كُلَّ جُزءٍ حُدودَه. وفي «مُخْتَلِفُونَ» الفاءُ واللامُ نَفسُهُما، ويَنقُصُها الحَدُّ الصُّلب، فالاختِلافُ تَفَرُّقٌ بِلا حافّةٍ تَحسِم، والفَصلُ ذلك التَّفَرُّقُ وقد جاءَته الحافّة. ثُمَّ أُخبِرَ عن هذا اليَومِ بِالماضي «كانَ» وهو لم يَأتِ، فهو أمرٌ ثَبَتَ واستَقَرّ، لا وَعدٌ يُنشَأ. وخَبَرُه «مِيقاتاً» من و-ق-ت، وهو لَحظةٌ تُقتَطَعُ من المُتَّصِلِ فتُعَيَّن، على وَزنِ المِفعالِ الذي يَجعَلُها حَدّاً يُنتَهى إلَيه. فالقَطعُ في الآيةِ مَرَّتان: قَطعٌ بَينَ المُختَلِفين، وقَطعٌ في المُدّةِ يُعَيِّنُ مَتى.