النبأ · الآية 15

﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا

«لِّنُخْرِجَ»: أوَّلُ لامٍ تُعَلِّلُ في القائِمة

مَضَت آياتٌ تَذكُرُ ما صُنِعَ ولا تَذكُرُ لِماذا. أرضٌ وُطِّئَت، وجِبالٌ ثُبِّتَت، وخَلقٌ في أزواج، ثُمَّ قَطعٌ في النَّومِ وثَوبٌ من لَيلٍ ومَيدانٌ من نَهار، ثُمَّ سَقفٌ مَشدودٌ ومِصباحٌ لا يَكُفّ، ثُمَّ ماءٌ يُنزَل. تِسعُ صَنعاتٍ تُذكَرُ خَبَراً مُجَرَّداً عن غاية. ثُمَّ تَجيءُ اللّام.

ولَيسَ في هذا إهمالٌ لِما سَبَق، بَل تَرتيب. الغايةُ تُذكَرُ عِندَ آخِرِ حَلقةٍ في السِّلسِلة، فإذا ذُكِرَت شَدَّت ما قَبلَها إلَيها. ومَن سَمِعَ القائِمةَ كُلَّها ثُمَّ سَمِعَ «لِنُخرِج» عَرَفَ أنَّ الصَّنعةَ لم تَكُنْ عَرضاً.

«بِهِ»: المُخرَجُ بِالأمسِ آلةُ الإخراجِ اليَوم

الباءُ هُنا باءُ الاستِعانة، والضَّميرُ عائِدٌ على مَاءً ثَجَّاجًا﴾. فالماءُ الذي عُصِرَ وأُنزِلَ صارَ هو نَفسُه الواسِطةَ التي يُخرَجُ بِها غَيرُه.

وخ-ر-ج اختِراقٌ يَجري ثُمَّ يَنبَثِقُ ظاهِراً بَعدَ أن كانَ في باطِن. و«نُخرِج» على أفعَل، فالخارِجُ لا يَخرُجُ بِنَفسِه بَل يُخرَج. ثَلاثُ حَلَقاتٍ مُتَّصِلة: مَعصورٌ أُخرِجَ ماؤُه، ثُمَّ ماءٌ أُنزِلَ إلى مَحَلِّه، ثُمَّ ما في الأرضِ يُخرَجُ بِه. كُلُّ مُخرَجٍ يَصيرُ مِخراجاً لِما بَعدَه.

«حَبًّا وَنَبَاتًا»: مُنغَلِقٌ ومُنفَتِحٌ من أصلٍ واحِد

مَفعولانِ نَكِرَتانِ، وحَرَكَتُهُما مُتَقابِلة. ح-ب-ب مَضيقٌ يَحتَوي ويَلتَصِقُ، والتَّضعيفُ يَشُدُّ الاكتِناز: لُبٌّ صَغيرٌ مَضمومٌ يُمسِكُ ما فيه. ون-ب-ت انبِعاثٌ يَنفَتِحُ فيَخرُجُ ثُمَّ يُمسَكُ إمساكاً دَقيقاً حتّى يَتِمّ.

فالأوَّلُ إغلاقٌ والثّاني انفِتاح، والماءُ الواحِدُ يُخرِجُهُما مَعاً. وهذا هو الغَريب: أن يَكونَ الشَّيءُ الواحِدُ سَبَبَ ما يَنكَمِشُ وسَبَبَ ما يَنبَسِط. ولَيسَ بَينَ الحَبِّ والنَّباتِ خُصومة: هذا يُخَبِّئُ ما سَيَنفَتِح، وذاكَ يَنفَتِحُ عمّا خُبِّئ.


حَصيلة

تَظهَرُ الغايةُ لِأوَّلِ مَرّةٍ بَعدَ سِلسِلةٍ من الأخبار: لامٌ واحِدةٌ تُعَلِّلُ فتَشُدُّ القائِمةَ كُلَّها إلَيها. و«نُخرِج» على أفعَل، فما في الأرضِ لا يَبرُزُ من تِلقاءِ نَفسِه بَل يُبرَزُ، وخ-ر-ج نَفسُه اختِراقٌ يَجري حتّى يَنبَثِق. والباءُ تَجعَلُ الماءَ المُنزَلَ آلةً بَعدَ أن كانَ مُخرَجاً بِالعَصر. ثُمَّ يُذكَرُ المُخرَجُ اثنَينِ مُتَقابِلَين: حَبٌّ يَحتَوي ويَنغَلِق، ونَباتٌ يَنبَعِثُ ويَنفَتِح. سَقيٌ واحِدٌ يُنتِجُ ما يُغلِقُ وما يَفتَح، والغايةُ المَنصوصةُ لِلقائِمةِ كُلِّها أن يَخرُجَ ما كانَ في الباطِن.