النازعات · الآية 28

﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا

«رَفَعَ»: فِعلٌ يَفُكُّ الشَّيءَ عن مَوضِعِه ثُمَّ يُبرِزُه

تَلصَقُ الآيةُ بِما قَبلَها بِلا حَرفِ عَطف، فبَعدَ أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا﴾ تَتَوالى الأفعالُ في وَجهِ الضَّميرِ نَفسِه: رَفَعَ، سَوّى، أغطَشَ، أخرَج، وتَأتي «رَفَعَ» بَعدَ «بَناها» بِلا رابِط، كَأنَّ الصُّنعَ يُعَدُّ ولا يُقَصّ.

والرَّفعُ من ر-ف-ع جَرَيانٌ مُستَرسِلٌ يُفَرِّقُ ثُمَّ يُبرِزُ من عُمق، فأوَّلُ الرَّفعِ فَكُّ الشَّيءِ عن قَرارِه الأوَّل، وآخِرُه ظُهورُه بَعدَ ذلك الفَكّ، ولِذلك يَعرِفُ مَن رَفَعَ حَجَراً أنَّ أوَّلَ العَمَلِ زَحزَحَتُه عن مَوضِعِه لا صُعودُه في اليَد.

«سَمْكَهَا»: المَرفوعُ قَدرٌ فيها لا ذاتٌ تُنقَل

وعُدِلَ عن «رَفَعَها» إلى «رَفَعَ سَمكَها»، فوَقَعَ الرَّفعُ على قَدرٍ فيها لا عَلَيها هي، والفَرقُ بَينَ العِبارَتَينِ فَرقُ ما بَينَ نَقلِ شَيءٍ وإعطائِه ثَخانةً يَقومُ بِها.

وأصلُ س-م-ك جِرمٌ مُمسَكٌ بَينَ حَدَّينِ لَه قَدرٌ يُدرَك، ومِنه في كَلامِ العَرَبِ «سَمكُ البَيتِ» لِجِرمِ سَقفِه، و«سُمكُ الشَّيءِ» لِما بَينَ سَطحَيه، فالمَذكورُ هُنا ثَخانةٌ لا خَطٌّ في الأُفُق.

وحينَ يُرفَعُ السَّمكُ يَتَّسِعُ ما تَحتَه بِمِقدارِ ما رُفِع، فمَن رَفَعَ سَقفَ بَيتِه زادَ في الجَوفِ الذي يَسكُنُه ولم يَزِدْ في السَّقف، والمَقصودُ بِرَفعِ القَدرِ إذَن ما يَتَّسِعُ تَحتَه لا القَدرُ نَفسُه.

«فَسَوَّاهَا»: الفاءُ تُرَتِّب، والتَّسويةُ تَضَعُ حَدّاً على القَدر

والفاءُ في «فَسَوّاها» تُلصِقُ الثّانِيَ بِالأوَّلِ بِلا فاصِل، فهو رَفعٌ ثُمَّ تَسوِية، ولو تَقَدَّمَتِ التَّسوِيةُ لَكانَت ضَبطاً لِما لم يَقُمْ بَعدُ.

والتَّسوِيةُ من س-و-ي ضَبطُ الشَّيءِ في مِقدارِه بِلا نَقصٍ ولا زِيادة، و«سَوّى» على وَزنِ فَعَّل، فهو عَمَلٌ يَتَكَرَّرُ على المَحَلِّ حتّى يَستَوفِيَ حَدَّه، لا لَمسةٌ واحِدة.

وعادَ الضَّميرُ إلى السَّماءِ نَفسِها بَعدَ أن وَقَعَ الرَّفعُ على سَمكِها، فرُفِعَ القَدر، ثُمَّ ضُبِطَتِ الجُملةُ على قَدرِها. فالبِناءُ الذي ذُكِرَ قَبلَ آيةٍ يُفَصَّلُ هُنا في فِعلَين: قَدرٌ يُعطى، ثُمَّ حَدٌّ يوضَعُ على القَدر، إذ ما رُفِعَ بِلا تَسوِيةٍ يَعلو ثُمَّ يَميل.


حَصيلة

تُتابِعُ الآيةُ ما قَبلَها بِفِعلَينِ في نَفَسٍ واحِد. فـ«رَفَعَ» من ر-ف-ع، وهو جَرَيانٌ يُفَرِّقُ ثُمَّ يُبرِزُ من عُمق، فأوَّلُ الرَّفعِ فَكٌّ عن مَوضِعٍ ثُمَّ ظُهور. والمَرفوعُ «سَمكُها» لا هي، ومادّةُ س-م-ك جِرمٌ مُمسَكٌ بَينَ حَدَّينِ لَه قَدرٌ يُدرَك، فالمَذكورُ ثَخانةٌ لا خَطُّ عُلُوّ. ثُمَّ «فَسَوّاها»، والفاءُ تُلصِقُ الفِعلَ بِالفِعل، وأصلُ س-و-ي ضَبطٌ يَرُدُّ الشَّيءَ إلى مِقدارِه بِلا نَقصٍ ولا زِيادة، والتَّضعيفُ في «سَوّى» يَجعَلُه عَمَلاً يُعادُ حتّى يَستَوفِيَ حَدَّه، فهي ثَلاثُ كَلِماتٍ تُعطي المَبنِيَّ قَدراً ثُمَّ تُعطي القَدرَ حَدَّه.