النازعات · الآية 29

﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا

«وَأَغْطَشَ»: الظُّلمةُ صَنعةٌ تُصنَعُ لا حالٌ تَعرِض

تَعودُ الواوُ بَعدَ جُملَتَينِ جاءَتا بِلا رابِط، فتَعطِفُ الشَّطرَ الجَديدَ على ما قَبلَه. وتَجيءُ الظُّلمةُ فِعلاً مُتَعَدِّياً لَه فاعِلٌ ومَفعول: «أغطَشَ لَيلَها». ولَو قيلَ «وأظلَمَ لَيلُها» لَصارَتْ حالاً تَقَعُ من نَفسِها.

والغَطَشُ في غ-ط-ش سِترٌ مُطبِقٌ يَنتَشِرُ حتّى يَشمَل. وفي كَلامِ العَرَبِ الغَطَشُ ظُلمةٌ فيها بَقِيّةٌ من ضَوء، والأغطَشُ مَن ضَعُفَ بَصَرُه كأنَّه يَنظُرُ من وَراءِ سِتر. فالمَذكورُ غِشاوةٌ تُسبَلُ على ما كانَ ظاهِراً، لا سَوادٌ مُصمَت.

و«أغطَشَ» على وَزنِ أفعَل، وَزنِ التَّعدِية: اللَّيلُ لا يُغطِشُ نَفسَه. ومَن أطفَأَ سِراجاً يَعرِفُ أنَّ الإطفاءَ عَمَلُ يَدٍ، وأنَّ الظُّلمةَ التي تَليه أثَرٌ وُضِعَ لا فَراغٌ وَقَع.

«لَيْلَهَا»: الوَقتُ يُنسَبُ إلى المَبنِيِّ لا إلى النّاظِر

الضَّميرُ في «لَيلِها» راجِعٌ إلى السَّماء. فاللَّيلُ هنا لَيسَ زَمَناً قائِماً بِذاتِه يُقاسُ بِه، بَل هو لَيلُها هي: حالٌ من أحوالِ الذي رُفِعَ سَمكُه وسُوِّي.

واللَّيلُ في ل-ي-ل غِطاءٌ يَلتَفُّ في لينٍ فيَستُرُ ما تَحتَه ويَحوزُه. فاجتَمَعَ في الجُملةِ سِترانِ: سِترٌ في الجَذرِ وسِترٌ في الفِعل. غِطاءٌ يُسبَلُ على غِطاء، ولِذلك جاءَ الفِعلُ لَه دونَ غَيرِه.

«وَأَخْرَجَ»: النُّورُ يُنتَزَعُ من داخِلٍ لا يُجاءُ بِه من خارِج

يُقابِلُ الإغطاشَ إخراج. ولَو أُريدَ مُجَرَّدُ ضِدٍّ لَقيلَ «وأنارَ» أو «وأضاءَ». قيلَ «أخرَجَ»، والإخراجُ نَقلٌ من باطِنٍ إلى ظاهِر.

والخُروجُ في خ-ر-ج اختِراقٌ يَجري مُستَرسِلاً ثُمَّ يَنبَثِقُ ظاهِراً بَعدَ أن كانَ في باطِن. فالضُّحى مَكنونٌ في المَوصوفِ يُستَخرَجُ مِنه، والذي أسبَلَ الغِشاوةَ هو الذي يُخرِجُ ما تَحتَها.

«ضُحَاهَا»: انبِساطُ حَرارةٍ لا مُجَرَّدُ لَمَعان

والضُّحى في ض-ح-و انبِساطُ حَرارةٍ يَتَّصِلُ بِما يَستَقبِلُها. ليسَ اسماً لِلَّمَعانِ بَل لِلانبِساطِ الحارِّ الذي يَكشِفُ ما وَقَعَ عَلَيه. ومَن خَرَجَ إلى الشَّمسِ بَعدَ ارتِفاعِها وَجَدَ في وَجهِه دِفئاً قَبلَ أن يَجِدَ في عَينِه ضَوءاً.

وأُضيفَ الضُّحى إلى السَّماءِ كما أُضيفَ اللَّيل. طَرَفانِ مَنسوبانِ إلى مَوصوفٍ واحِدٍ بِفِعلَينِ مُتَقابِلَين: سِترٌ وإخراج. وعلى هذه الكَلِمةِ نَفسِها تُغلَقُ السورةُ في آخِرِها: عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾.


حَصيلة

تَقسِمُ الآيةُ نَفسَها نِصفَينِ مُتَقابِلَين. «أغطَشَ» من غ-ط-ش: سِترٌ مُطبِقٌ يَنتَشِرُ حتّى يَشمَل، وهو على وَزنِ أفعَلَ فِعلاً يَقَعُ من فاعِلٍ لا حالاً تَعرِض. ومَفعولُه «لَيلُها»، ول-ي-ل غِطاءٌ يَلتَفُّ في لينٍ فيَستُرُ ويَحوز: سِترٌ يُسبَلُ على سِتر. ثُمَّ «أخرَجَ» من خ-ر-ج: اختِراقٌ يَجري ثُمَّ يَنبَثِقُ ظاهِراً بَعدَ باطِن، فالضُّحى مُستَخرَجٌ مِنها لا مَوضوعٌ عَلَيها. و«ضُحاها» من ض-ح-و: انبِساطُ حَرارةٍ يَتَّصِلُ بِما يَستَقبِلُها. والضَّميرانِ يَرُدّانِ الوَقتَينِ إلى السَّماءِ نَفسِها: لَيلٌ لَها وضُحىً لَها، لا وَقتانِ يَقومانِ بِأنفُسِهِما. فِعلانِ لا يَتَعارَضان: واحِدٌ يُسبِلُ وواحِدٌ يَستَخرِج، وكِلاهُما صُنعٌ لا عارِض.