النازعات · الآية 30

﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا

«وَالْأَرْضَ»: اسمٌ يُقَدَّمُ مَنصوباً فيَقِفُ في الوَجه

وهُنا تَحَوَّلَ البِناء، فقد كانَتِ الأفعالُ تَتَقَدَّم: رَفَعَ، سَوّى، أغطَشَ، أخرَج، وفي هذه الآيةِ يَتَقَدَّمُ الاسمُ مَنصوباً ثُمَّ يَجيءُ فِعلُه بَعدَه مُتَّصِلاً بِضَميرِه: «والأرضَ … دَحاها»، فالمَذكورُ أوَّلاً هو المَعمولُ لا العامِل.

وهذا التَّقديمُ يَضَعُ الأرضَ في الوَجهِ بَعدَ أن كانَ الكَلامُ كُلُّه في السَّماء، والذي سُئِلَ أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ واقِفٌ عَلَيها، فالمُقايَسةُ التي ابتَدَأَت بِما فَوقَ الرَّأسِ تَنزِلُ الآنَ إلى ما تَحتَ القَدَم.

وأصلُ أ-ر-ض قاعِدةٌ تَنبَثِقُ وتَجري ثُمَّ تُضَمُّ بِثِقَلٍ في مَوضِعٍ ثابِت، فهي حامِلةٌ لا مَحمولة، وفي وَضعِها هُنا مَفعولاً ما يَجعَلُ الحامِلَ نَفسَه مَوضوعاً بِيَدِ غَيرِه.

«بَعْدَ ذَٰلِكَ»: ظَرفٌ يُثبِتُ حَدّاً وَراءَ حَدّ

و«بَعدَ» من ب-ع-د، ومَعناه مَوقِعٌ تَجاوَزَ القُربَ وثَبَتَ وَراءَه، وقد أُضيفَت إلى «ذلك»، والإشارةُ بِـ«ذلك» إلى بَعيد، فالمُشارُ إلَيه ما تَقَدَّمَ من رَفعٍ وتَسوِيةٍ وإغطاشٍ وإخراج، جُمِعَ كُلُّه في كَلِمةٍ واحِدةٍ ثُمَّ أُشيرَ إلَيه من مَسافة.

والظَّرفُ يَدُلُّ على تَأخُّرِ هذا عن ذاك ثُمَّ يَقِف، ولم يوضَعْ في الآيةِ لِلمَسافةِ مِقدارٌ ولا اسم، وما بَعدَ الظَّرفِ فِعلٌ واحِدٌ لا غَير: «دَحاها»، والقِراءةُ تَنتَهي حَيثُ انتَهى اللَّفظ.

«دَحَاهَا»: دَفعٌ يَبسُطُ ويُمَهِّد

والدَّحوُ مادّتُه د-ح-و: دَفعٌ يَمتَدُّ فيَبسُطُ ما دَفَعَه ويُمَهِّدُه، ويُقالُ في كَلامِ العَرَبِ «دَحا السَّيلُ الحَصى» إذا جَرَفَه فنَحّاه وبَسَطَه، و«المِدحاةُ» خَشَبةٌ يُدفَعُ بِها التُّرابُ فيَستَوي.

فالفِعلُ يَجمَعُ ثَلاثاً في واحِد: دَفعاً، وبَسطاً، وتَمهيداً لِما يَجيءُ فَوقَه، وهو غَيرُ الرَّفعِ الذي وَقَعَ على السَّماء، إذ ذاكَ أعطى قَدراً قائِماً، وهذا مَهَّدَ وَجهاً يُمشى عَلَيه.

ولِذلك تَتبَعُه الآياتُ بَعدَه، فما مُهِّدَ يُخرَجُ مِنه ويُثَبَّتُ فيه، والتَّمهيدُ مَقصودٌ لِمَن يَمُرُّ عَلَيه، غَيرُ مَقصودٍ لِنَفسِه.


حَصيلة

يَنتَقِلُ الكَلامُ من السَّماءِ إلى الأرضِ بِتَقديمِ الاسمِ مَنصوباً: «والأرضَ … دَحاها»، فالمَعمولُ يَسبِقُ عامِلَه ويَقِفُ في الوَجه. ومادّةُ أ-ر-ض قاعِدةٌ تَنبَثِقُ وتَجري ثُمَّ تُضَمُّ بِثِقَلٍ في مَوضِعٍ ثابِت، وهي حامِلةٌ صارَت هُنا مَحمولةً بِفِعلِ غَيرِها. و«بَعدَ ذلك» من ب-ع-د، وهو مَوقِعٌ تَجاوَزَ القُربَ وثَبَتَ وَراءَه، وقد أُشيرَ بِـ«ذلك» إلى ما تَقَدَّمَ مَجموعاً من بَعيد. ثُمَّ «دَحاها»، وأصلُ د-ح-و دَفعٌ يَمتَدُّ فيَبسُطُ ويُمَهِّد. فالسَّماءُ أُعطِيَت قَدراً قائِماً، والأرضُ أُعطِيَت وَجهاً مُمَهَّداً، وهُما صُنعانِ مُختَلِفانِ في الجِهةِ واحِدٌ في اليَدِ التي صَنَعَتهُما.