النازعات · الآية 31

﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا

«أَخْرَجَ مِنْهَا»: الفِعلُ يُعادُ، والمَخرَجُ من داخِلِها

عادَ الفِعلُ الذي مَرَّ قَبلَ آيَتَين: وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾. هناكَ أُخرِجَ الضُّحى من السَّماء، وهنا يُخرَجُ الماءُ والمَرعى من الأرض. فِعلٌ واحِدٌ يَعمَلُ في المَوضِعَين.

والخُروجُ في خ-ر-ج اختِراقٌ يَجري مُستَرسِلاً ثُمَّ يَنبَثِقُ ظاهِراً بَعدَ أن كانَ في باطِن. و«مِنها» تُصَرِّحُ بِالمَصدَر: لم يوضَعْ فيها شَيءٌ من خارِج، بَل أُخرِجَ ما كانَ فيها. الأرضُ التي دُحِيَت وَجهُها مُمَهَّدٌ وجَوفُها مَشحون.

وجاءَ الفِعلُ بِلا واوِ عَطف، لاصِقاً بِـ«دَحاها» قَبلَه. جُملَتانِ مُتَجاوِرَتانِ بِلا رابِط: ما مُهِّدَ يُخرَجُ مِنه. والتَّمهيدُ لم يَكُنْ غايةً، إنَّما كانَ فَتحَ بابٍ لِما تَحتَه.

«مَاءَهَا»: مَضمومٌ يَتَفَلَّتُ فيَجري

والماءُ في م-و-ه مَضمومٌ مَوصولٌ يَتَفَلَّتُ فيَجري: يَنحَبِسُ إذا حُبِسَ ويَسيلُ إذا أُطلِق. فهو أوَّلُ ما يُخرَجُ لِأنَّه أوَّلُ ما يَتَحَرَّك، وما لا يُمسَكُ بِيَدٍ يَحتاجُ إلى وَجهٍ مُمَهَّدٍ يَجري عَلَيه.

ولم يُذكَرْ مُنَكَّراً بَل مُضافاً: «ماءَها». والإضافةُ تَجعَلُه لَها لا زِيادةً عَلَيها. وكما نُسِبَ اللَّيلُ والضُّحى إلى السَّماء، يُنسَبُ الماءُ والمَرعى إلى الأرض: كُلُّ مَصنوعٍ يَحمِلُ ما أُودِعَ فيه.

«وَمَرْعَاهَا»: اسمُ مَوضِعٍ يَضَعُ في الآيةِ آكِلاً

لم يَقُلْ «ونَباتَها». قالَ «ومَرعاها»، والمَرعى اسمُ مَكانٍ من ر-ع-ي. فالمَذكورُ لَيسَ النّابِتَ وَحدَه، بَل المَوضِعُ الذي يُرعى فيه: عَلاقةٌ بَينَ ما خَرَجَ ومَن يَأكُلُه.

والرَّعيُ في ر-ع-ي جَرَيانٌ مُستَرسِلٌ يَلتَقي بِقَبضٍ يُمسِكُه، ثُمَّ يَمتَدُّ إلى مَدىً يَتَرَدَّدُ فيه. فالكَلِمةُ تَحمِلُ في جَذرِها نَظَراً وحِفظاً مَعاً: الرّاعي يَنظُرُ إلى ما تَحتَ يَدِه فيَحفَظُه. فاختِيارُ «المَرعى» يَضَعُ في الآيةِ آكِلاً قَبلَ أن يُذكَرَ بِاسمِه.

واثنانِ لا ثالِثَ لَهُما: ماءٌ ومَرعى. لم تُعَدَّدْ أصنافٌ ولم تُسَمَّ أنواع. مَن أرادَ أن يَحيا على وَجهٍ مُمَهَّدٍ احتاجَ إلى ما يَشرَبُ وما يَرعى، والآيةُ تَقِفُ عِندَ هذَين.


حَصيلة

يَعودُ فِعلُ الإخراجِ الذي وَقَعَ على السَّماءِ فيَقَعُ الآنَ على الأرض. خ-ر-ج اختِراقٌ يَجري ثُمَّ يَنبَثِقُ ظاهِراً بَعدَ باطِن، و«مِنها» تُصَرِّحُ بِأنَّ المُخرَجَ كانَ فيها. ثُمَّ يُذكَرُ اثنان: «ماءَها» من م-و-ه، مَضمومٌ مَوصولٌ يَتَفَلَّتُ فيَجري، فيَنحَبِسُ إذا حُبِسَ ويَسيلُ إذا أُطلِق. و«مَرعاها» من ر-ع-ي، جَرَيانٌ يَلتَقي بِقَبضٍ يَحفَظُ ثُمَّ يَمتَدُّ إلى مَدىً، والصّيغةُ اسمُ مَكان: المَوضِعُ الذي يُرعى فيه لا النّابِتُ وَحدَه. وكِلاهُما مُضافٌ إلى الأرضِ كما أُضيفَ اللَّيلُ والضُّحى إلى السَّماء. فآيةٌ من أربَعِ كَلِماتٍ تَفتَحُ ما تَحتَ الوَجهِ المُمَهَّدِ وتَضَعُ عَلَيه شارِباً وراعِياً.