المطففين · الآية 28

﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ

«عَيْنًا»: السّورةُ تَفتَحُ اسمَها بِيَدِها

كَلِمةٌ واحِدةٌ مَنصوبةٌ تَقَعُ على الاسمِ الذي مَضى فتَفُكُّه، فقد سُمِّيَ المَورِدُ ولم يُعرَف، ثُمَّ جاءَت هذه الكَلِمةُ فبَيَّنَت ما هو.

وهذا صَنيعُ السّورةِ في مَواضِعِها، تُلقي الاسمَ ثُمَّ تُتبِعُه بَيانَه: وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ ثُمَّ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾، فهي لا تُلقي كَلِمةً ثَقيلةً ثُمَّ تَمضي، وهي التي تُسَمّي وهي التي تُفَسِّر.

والعَينُ من ع-ي-ن، وأصلُها مَوضِعٌ مُلتَحِمٌ بِباطِنِ الشَّيءِ يَبرُزُ مِنه ما في داخِلِه، وعَلَيه تَجتَمِعُ العَينُ الباصِرةُ وعَينُ الماء: هذه تَنبُعُ من عُمقِ الأرضِ فتُرسِلُ تَدَفُّقَها، وتِلكَ تَنبُعُ من عُمقِ الكائِنِ فتُرسِلُ نَظَرَها. وقد فُتِحَ المَشهَدُ بِنَظَرٍ ويُختَمُ بِنَبع، وبَينَهُما كَلِمةٌ واحِدةٌ في لِسانِ العَرَبِ تَحمِلُ المَعنَيَين.

«يَشْرَبُ بِهَا»: باءُ الإلصاقِ، لا «مِنها»

وعُدِّيَ الفِعلُ بِالباءِ في «يَشرَبُ بِها» دونَ «يَشرَبُ مِنها»، و«مِن» تَقتَطِعُ وتُبعِد، أي يُؤخَذُ من المَورِدِ ويُذهَبُ بِه، والباءُ تُلصِق، فالشُّربُ مَوصولٌ بِالعَينِ نَفسِها، لا بِما نُقِلَ عَنها.

والشُّربُ من ش-ر-ب، وهو انتِشارٌ مُستَرسِلٌ يَدخُلُ الكِيانَ فيَلتَصِقُ بِه، فيَصيرُ المَشروبُ من جِسمِ الشّارِب. فالفِعلُ في أصلِه إلصاق، والحَرفُ يُلصِقُه بِمَنبَعِه، ومَعنى الشُّربِ بِالعَينِ دونَ الشُّربِ مِنها أن لا يَبقى بَينَ الشّارِبِ والمَنبَعِ شَيء.

وقد جاءَ الشَّرابُ قَبلَ آيَتَينِ مَختوماً مَحبوساً في وِعائِه، وانتَهى هُنا إلى مَنبَعٍ مَفتوحٍ يُشرَبُ بِه، والمَختومُ يُقَدَّم، والنّابِعُ يوقَفُ عَلَيه.

«الْمُقَرَّبُونَ»: قُرِّبوا ولَم يَقرُبوا

وهو اسمُ مَفعولٍ من «قَرَّبَ»، والتَّضعيفُ يَجعَلُ الفِعلَ مَقصوداً مُكَرَّراً واقِعاً بِهِم. وعُدِلَ إلَيه عن «القارِبون» و«المُقتَرِبون»، فالخُطوةُ لَيسَت خُطوَتَهُم.

والقُربُ في ق-ر-ب التِئامٌ يَجري حتّى يَتَمَسَّكَ بِطَرَفِه فيَمنَعَ البَين، فهو ارتِفاعُ ما كانَ يَفصِل، ومِقياسُه ما زالَ من الفَصلِ دونَ عَدِّ الأذرُع.

وهذا الاسمُ نَفسُه مَرَّ في السّورةِ قَبلَ سَبعِ آيات: يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾، فهُم هُناكَ يَحضُرونَ كِتاباً، وهُنا يَحضُرونَ مَنبَعاً، وهُم في المَوضِعَينِ مَن أُدنِيَ إلى ما لا يَبلُغُه غَيرُهُم، ومَن قُرِّبَ من صَحيفةٍ قُرِّبَ من عَين.


حَصيلة

«عَيناً» كَلِمةٌ مَنصوبةٌ تَقَعُ على الاسمِ الذي قَبلَها فتُبَيِّنُه، على عادةِ السّورةِ في أن تُسَمِّيَ ثُمَّ تُفَسِّرَ من عِندِها. والعَينُ من ع-ي-ن مَوضِعٌ مُلتَحِمٌ بِباطِنِ الشَّيءِ يَبرُزُ مِنه ما في داخِلِه، وهو الأصلُ الجامِعُ لِلباصِرةِ والنّابِعة: فُتِحَ المَشهَدُ بِنَظَرٍ مُرسَلٍ بِلا مَنظورٍ إلَيه، ويُختَمُ بِنَبعٍ يُشرَبُ بِه. والباءُ في «بِها» لِلإلصاق، ولَيسَت «مِن» التي لِلتَّبعيض، والشُّربُ من ش-ر-ب انتِشارٌ يَدخُلُ الكِيانَ فيَلتَصِق، فهو فِعلُ إلصاقٍ أُلصِقَ بِمَنبَعِه. و«المُقَرَّبون» اسمُ مَفعول، فهُم قُرِّبوا ولم يَقرُبوا، ومادّةُ ق-ر-ب التِئامٌ يَجري حتّى يَتَمَسَّكَ بِطَرَفِه فيَمنَعَ البَين. وإذا جُمِعَ المَشهَدُ من أوَّلِه لم يَبقَ لِلقَومِ فيه إلّا فِعلان: أن يَنظُروا وأن يَشرَبوا. أُسكِنوا وسُقوا وقُرِّبوا وخُتِمَ لَهُم، والذي تُرِكَ لَهُم أن يَفعَلوه أن يَفتَحوا عَيناً وأن يَصِلوا بِعَين.