الفجر · الآية 22

﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا

«وَجاءَ رَبُّكَ»: حُضورٌ يَنتَهي إليه الأمر

مَدارُ ج-ي-ء على الوُصولِ بَعدَ مَسير، أي حُضورِ ما كانَ غائِباً حتّى يَبلُغَ مَوضِعَه ويَحضُر، ففيه بُلوغُ الغايةِ وانتِهاءُ المَسيرِ إلى حُضور، زِيادةً على الحَرَكةِ في الطَّريق. والفِعلُ بِهذا يَدُلُّ على أنَّ المَوعِدَ الذي كانَ مُؤَجَّلاً قد بَلَغَ مُنتَهاه، فحَضَرَ ما كانَ يُنتَظَر.

ونُسِبَ هذا الحُضورُ إلى «رَبِّك» فوُصِلَ الخِطابُ بِالمُخاطَبِ نَفسِه، وعُدِلَ عن ذِكرِ رَبٍّ على الإطلاقِ إلى رَبِّكَ أنتَ، المالِكِ المُدَبِّرِ الذي رَبَّكَ وساسَ أمرَك. والرَّبُّ من ر-ب-ب، وهو مُلازَمةٌ مُتَّصِلةٌ تُنَمّي وتَسوسُ إلى تَمام، فالذي رَبّى وأمهَلَ هو الذي يَحضُرُ آخِرَ الأمرِ لِيَفصِل، والحُضورُ آخِرُ حَلَقةٍ في رِعايةٍ بَدَأَت بِالإنشاءِ وتَنتَهي بِالحِساب.

«والمَلَكُ»: جُندٌ يُملَكُ أمرُه فيُساق

والمَلَكُ من أ-ل-ك، ومنه «الأَلوك» وهو الرِّسالة، وأصلُ «المَلَك» «مَلْأَك» تَظهَرُ هَمزتُه في الجَمعِ «المَلائِكة». فالمَلَكُ حامِلُ الرِّسالة، مَأمورٌ يُؤَدّي ما حُمِّلَ ولا يَعدوه. فحُضورُ «المَلَك» مَعَ حُضورِ «الرَّبّ» حُضورُ الرَّسولِ بِجانِبِ مُرسِلِه، وهو تَدبيرٌ تامٌّ يَجيءُ مُكتَمِلاً، فيه الآمِرُ ومَن يَحمِلُ أمرَه.

وجاءَ «المَلَك» مُفرَداً والمُرادُ بِه الجِنسُ كُلُّه، فاللَّفظُ واحِدٌ والمَعنى جَمعٌ يَستَوعِبُ الصُّفوف. والمَوعِدُ يَحضُرُ مَعَه جُندٌ مَملوكُ الأمر، ولا يَحضُرُ خَلواً، وبِهذا الحُضورِ تَنكَشِفُ هَيبةُ المَوقِفِ ويَتِمُّ الفَصل.

«صَفًّا صَفًّا»: نَظمٌ يُكَرَّرُ فلا يَدَعُ خَلَلاً

والصَّفُّ من ص-ف-ف، ومَعناه ضَمُّ الأشياءِ على خَطٍّ واحِدٍ في انتِظامٍ لا اعوِجاجَ فيه، والمَصفوفُ مَوضوعٌ بِجَنبِ مَوضوعٍ على استِواء، كُلٌّ في مَوضِعِه لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأَخَّر. فالحُضورُ يَجيءُ مَرصوصاً على نَظمٍ مُحكَمٍ لا فَوضى فيه.

وتَكرارُ اللَّفظِ في «صَفًّا صَفًّا» يُفيدُ التَّتابُعَ والكَثرة، صَفّاً وَراءَ صَفٍّ بِلا انقِطاع، حتّى كأنَّ المَشهَدَ خُطوطٌ مُتَوالِيةٌ لا يَنتَهي حَدُّها. والنَّظمُ هنا بِنيةٌ مُكَرَّرةٌ تَدُلُّ على جُندٍ لا يُحصى وأمرٍ مُحكَمٍ لا يَختَلّ، وعُدِلَ بِه عن صَفٍّ واحِدٍ يُرى.


حَصيلة

تُصَوِّرُ الآيةُ مَجيءَ المَوعِدِ المُنتَظَر، فـ«وجاءَ» (ج-ي-ء) حُضورٌ بَعدَ إمهال، ونِسبَتُه إلى «رَبِّك» (ر-ب-ب) تَصِلُ الفاصِلَ آخِرَ الأمرِ بِالذي رَبَّ وساسَ من أوَّلِه. ويَحضُرُ مَعَه «المَلَك» (أ-ل-ك)، وهو جُندٌ يَحمِلُ الأمرَ ويُؤَدّيه ولا يَعدوه، أُفرِدَ لَفظُه وأُريدَ بِه الجَمع. وجاؤوا «صَفًّا صَفًّا» (ص-ف-ف)، أي ضَمّاً على نَظمٍ مُحكَمٍ يَتَكَرَّرُ صَفّاً بَعدَ صَفٍّ بِلا خَلَل. فالمَشهَدُ حُضورٌ كامِلُ التَّدبير، يَجيءُ فيه المالِكُ لِلفَصل، وجُندُه مَرصوصونَ على استِواءٍ لا فَوضى فيه، تَمهيداً لِما تَسوقُ إلَيه الآياتُ بَعدُ من حِساب.