الفجر · الآية 23

﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ

«وَجِيءَ ... بِجَهَنَّمَ»: إحضارٌ لِما كانَ غائِباً

الفِعلُ «جيءَ» مَبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، والجِذرُ ج-ي-ء مَدارُه على الحُضورِ بَعدَ غَيبةٍ والوُصولِ إلى المَوضِع، فالمَجيءُ بُلوغُ الشَّيءِ مَوضِعاً لم يَكُن فيه. وفي البِناءِ لِلمَجهولِ طَيٌّ لِلجالِبِ وإبرازٌ لِلمَجلوب، فلا يُذكَرُ مَن جاءَ بِها، وتُجعَلُ هي المَشهَدَ كُلَّه. والباءُ في «بِجَهَنَّمَ» باءُ التَّعدِيةِ، والمَعنى أنَّها جُعِلَت تَجيءُ، أي أُحضِرَت إحضاراً.

وما كانَ غائِباً عن الحِسِّ يُحضَرُ في هذا اليَومِ حُضوراً لا يُرَدّ، فيَنقَلِبُ المَوقِفُ ويَصيرُ الذي كانَ يُؤَجَّلُ ويُستَبعَدُ حاضِراً بَينَ يَدَيِ النَّظَر. والوَقفُ بَعدَ «بِجَهَنَّمَ» يَفصِلُ المَشهَدَ الأوَّلَ، وهو إحضارُ ما كانَ مَطوِيّاً، عن المَشهَدِ الثّاني الذي يَليه، وهو ما يَكونُ في النَّفسِ عِندَ هذا الحُضور.

«يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسانُ»: تَنَبُّهٌ يَأتي في غَيرِ وَقتِه

وتَكَرَّرَ «يَوْمَئِذٍ» مَرَّتَين، مَرّةً لِإحضارِ المَشهَد، ومَرّةً لِما يَقَعُ في النَّفسِ مَعَه. وأصلُ ذ-ك-ر إبرازُ ما كانَ مَخزوناً في الباطِن، و«يَتَذَكَّرُ» على صيغةِ التَّفَعُّل، وفيها تَكَلُّفٌ وتَدَرُّجٌ في استِحضارِ ما غاب، فالإنسانُ يَستَخرِجُ من باطِنِه ما كانَ مُدَّخَراً فيه فيَستَبينُه. والمُتَذَكِّرُ «الإنسان» من ء-ن-س، وهو الكائِنُ الذي يَأنَسُ فيَنسى، فجُعِلَ نِسيانُه ثُمَّ تَذَكُّرُه وَجهَينِ من طَبعِه.

ومَحَلُّ النَّظَرِ أنَّ التَّذَكُّرَ فِعلٌ مَحمودٌ في أصلِه، غَيرَ أنَّه يَأتي هنا حينَ لا يَنفَعُ صاحِبَه، فالعِلمُ الذي كانَ مُدَّخَراً يَستَبينُ كُلُّه دُفعةً واحِدةً عِندَ حُضورِ المَشهَد، ولم يَستَبِنْ قَبلَه حَيثُ كانَ يُجدي. فالذي تَعيبُه الآيةُ مَوقِعُ التَّذَكُّرِ دونَ التَّذَكُّرِ نَفسِه، وهو تَنَبُّهٌ صادِقٌ في غَيرِ أوانِه.

«وأنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ»: سُؤالٌ يُغلِقُ بابَ الجَدوى

و«أنَّى» اسمُ استِفهامٍ يَحمِلُ مَعنى الاستِبعادِ والإنكار، أي من أينَ لَه، وكَيفَ لَه، والمُرادُ بِه هنا نَفيُ الجَدوى نَفياً في صورةِ سُؤال، دونَ طَلَبِ الخَبَر. و«الذِّكرى» من ذ-ك-ر أيضاً، وهي اسمٌ يَجمَعُ حاصِلَ التَّذَكُّرِ ونَتيجَتَه. وقد جَمَعَتِ الآيةُ الفِعلَ «يَتَذَكَّر» واسمَه «الذِّكرى» لِتَدُلَّ على أنَّ التَّنَبُّهَ وَقَعَ، وأنَّ ثَمَرَتَه فاتَت.

فالسُّؤالُ يُغلِقُ ما فَتَحَه التَّذَكُّر، والمَعنى: من أينَ تَنفَعُ الذِّكرى وقد جاءَ أوانُ الجَزاءِ لا أوانُ العَمَل؟ والذي يَستَبينُ الآنَ كانَ مَبثوثاً في آياتٍ ونُذُرٍ قَبلَ هذا اليَوم، فلَمّا طُوِيَ زَمَنُ النَّفعِ بَقِيَتِ الذِّكرى عِلماً بِلا مَوضِعٍ يَنزِلُ عَلَيه. فمَوضِعُ الحَسرةِ في الآيةِ فَواتُ الوَقتِ الذي كانَ العِلمُ فيه يَعمَل، ولَيسَت في فَواتِ العِلم.


حَصيلة

يُحضَرُ في هذا اليَومِ ما كانَ غائِباً: «جيءَ بِجَهَنَّمَ» (ج-ي-ء: حُضورٌ بَعدَ غَيبة، بِبِناءٍ لِلمَجهولِ يَطوي الجالِبَ ويُبرِزُ المَجلوب). وعِندَ هذا الحُضورِ «يَتَذَكَّرُ الإنسانُ» (ذ-ك-ر: إبرازُ ما كانَ مُدَّخَراً في الباطِن، بِصيغةِ تَفَعُّلٍ تَتَدَرَّجُ في استِخراجِه)، والمُتَذَكِّرُ «الإنسان» (ء-ن-س) الذي يَأنَسُ فيَنسى. ثُمَّ جاءَ «أنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ» استِفهامَ استِبعادٍ يَنفي الجَدوى، إذ وَقَعَ التَّنَبُّهُ في أوانِ الجَزاءِ لا أوانِ العَمَل. فالمَعيبُ في الآيةِ مَوقِعُ التَّذَكُّر، والتَّذَكُّرُ في ذاتِه غَيرُ مَعيب، وهو عِلمٌ صادِقٌ استَبانَ كُلُّه دُفعةً واحِدةً حينَ طُوِيَ الوَقتُ الذي كانَ فيه يَعمَل، فبَقِيَتِ الذِّكرى حَسرةً لا تَنزِلُ على عَمَل.