الفجر · الآية 21

﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا

«كَلَّا»: رَدعٌ يَقطَعُ ما قَبلَه

افتُتِحَتِ الآيةُ بِـ«كَلَّا»، وهي كَلِمةُ زَجرٍ ورَدعٍ تَقطَعُ ما تَقَدَّمَ قَطعاً وتَرُدُّ المُخاطَبَ عمّا هو فيه. وقد سَبَقَها كَلامٌ عن إنسانٍ يَفرَحُ بِالمالِ ويَحسَبُ الإكرامَ في السَّعةِ والهَوانَ في الضِّيق، فجاءَت «كَلَّا» لِتَكسِرَ هذا الحُسبانَ وتَقولَ: لَيسَ الأمرُ كما ظَنَنتُم، فهي حَدٌّ فاصِلٌ بَينَ قَولٍ مَردودٍ وحَقٍّ يُثبَتُ بَعدَه.

ووُقوعُ «كَلَّا» في صَدرِ الآيةِ يَستَوقِفُ السّامِعَ قَبلَ ما يَلي، فلا يَنساقُ مَعَ ما اطمَأَنَّ إلَيه من حُكمٍ زائِف، ثُمَّ تَفتَحُ الآيةُ بَعدَها مَشهَداً يَنقُضُ المَوازينَ كُلَّها، وهو يَومٌ تُساوى فيه الأرضُ بِنَفسِها، فلا يَبقى لِلسَّعةِ ولا لِلضِّيقِ مَوضِعٌ يُقاسُ عَلَيه.

«إِذَا دُكَّتِ»: تَسويةٌ تَنزِلُ بِالأرضِ فتُذهِبُ نُتوءَها

و«إِذا» ظَرفٌ لِما هو آتٍ مُحَقَّقٌ وُقوعُه، يَنتَظِرُ زَمَنَه ولا يُشَكُّ في كَونِه. والفِعلُ «دُكَّت» من د-ك-ك، ومَدارُه على الدَّفعِ الثّابِتِ الذي يَهبِطُ بِالمُرتَفِعِ فيُسَوّيه بِما حَولَه، يُقالُ دَكَّ الحائِطَ إذا هَدَمَه فجَعَلَه دَكّاً مُستَوِياً بِالأرض، و«الدَّكُّ» الأرضُ المُنبَسِطةُ التي لا نَشَزَ فيها. وبُنِيَ الفِعلُ لِلمَفعولِ في «دُكَّت»، فأُخفِيَ الفاعِلُ وأُبرِزَتِ الأرضُ وهي تُدَكّ، والمَعنى قُدرةٌ قاهِرةٌ تَنزِلُ بِها، والأرضُ تَتَلَقّاها غَيرَ مُمتَنِعة.

والمُرادُ بِالدَّكِّ هَهُنا إذهابُ ما عَلا حتّى يَستَوِيَ مَعَ ما سَفُل، دونَ الشَّقِّ والخَسف، فالجِبالُ تَهبِطُ والقيعانُ تَرتَفِعُ حتّى تَصيرَ الأرضُ صَعيداً واحِداً لا عَلامةَ فيه. وهذا أشَدُّ في النَّقضِ من الكَسر، لأنَّ الكَسرَ يُبقي الأثَر، والدَّكَّ يَمحو الفُروقَ كُلَّها فلا يَبقى شاهِدٌ على ما كان.

«دَكًّا دَكًّا»: تَكرارٌ يُؤَكِّدُ الاستِيعابَ والتَّتابُع

وأُتبِعَ الفِعلُ بِمَصدَرِه مُكَرَّراً في «دَكّاً دَكّاً»، والمَصدَرُ يُؤَكِّدُ الفِعلَ ويُحَقِّقُه، وتَكرارُه مَرَّتَينِ يَزيدُ على التَّأكيدِ مَعنى التَّتابُعِ والشُّمول، أي دَكٌّ بَعدَ دَكٍّ لا يَدَعُ في الأرضِ مَوضِعاً إلّا سَوّاه. فلَيسَتِ التَّسويةُ واحِدةً تُصيبُ ناحِيةً وتَترُكُ أُخرى، وإنَّما هي دَكٌّ يَتبَعُه دَكٌّ حتّى تَعُمَّ التَّسويةُ كُلَّ بُقعة.

وفي هذا التَّكرارِ صَوتٌ يُحاكي المَعنى، فهو ضَربةٌ ثُمَّ ضَربةٌ تَنزِلُ بِالأرضِ نَزلاً مُتَوالِياً حتّى تَخمُدَ كُلُّ نُتوء. والصّيغةُ بِذلك تَجمَعُ الشِّدّةَ والاستِغراق، شِدّةً في كُلِّ دَكّ، واستِغراقاً بِتَوالي الدَّكِّ على الدَّكّ، فلا يُفلِتُ من التَّسويةِ شَيء.


حَصيلة

تُفتَتَحُ الآيةُ بِـ«كَلَّا»، وهي رَدعٌ يَقطَعُ حُسبانَ مَن ظَنَّ الإكرامَ في السَّعةِ والهَوانَ في الضِّيق، ويَرُدُّ المَوازينَ إلى حَقِّها. ثُمَّ تَفتَحُ «إِذا» على آتٍ مُحَقَّق، و«دُكَّت» من د-ك-ك، وهو دَفعٌ ثابِتٌ يَهبِطُ بِالمُرتَفِعِ فيُسَوّيه بِما حَولَه، وبِناؤُه لِلمَفعولِ يُبرِزُ الأرضَ تَتَلَقّى قُدرةً قاهِرةً لا تُمتَنَع. و«دَكّاً دَكّاً» تَكرارٌ يَزيدُ على التَّأكيدِ تَتابُعاً واستيعاباً، فهو دَكٌّ بَعدَ دَكٍّ لا يَترُكُ نُتوءاً. فالآيةُ تَمحو فُروقَ الأرضِ كُلَّها يَومَ النَّقض، فإذا ذَهَبَت مَعالِمُها لم يَبقَ لِسَعةٍ ولا لِضِيقٍ مَوضِعٌ يُقاسُ عَلَيه، وصَدَقَ الرَّدعُ الذي افتُتِحَت بِه.