القدر · الآية 2

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ

السؤالُ الإلهيّ: تَعليمٌ بِالنَّفي قَبلَ التَّعليمِ بِالإثبات

«وما أَدراكَ» صيغةٌ تَتَكَرَّرُ في القُرآنِ في مَواضعَ بِعَينِها، كلُّها تَتعلَّقُ بِشأنٍ كَبيرٍ يَخرُجُ عن سَعَةِ الإدراكِ المُعتاد. حين يَأتي السؤالُ، يَأتي بَعدَه الجَوابُ غالباً، لكنَّ الجَوابَ لا يَأتي ليَملأَ السؤال، بل ليَفتَحَه أكثَر. الجَوابُ التَّقريبيّ، لا الجَوابُ الحاصِر.

وفي البَقَرة، أَكبَرُ آيةٍ في الكِتابِ تَنطِقُ بِالحَدِّ نَفسِه: وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾. الإحاطةُ مَمنوعة، والاستِثناءُ مَوكولٌ إلى مَشيئَتِه. والنَّبيُّ ﷺ هو أَوَّلُ مَن يَدخُلُ تَحتَ هذا الحَدّ. السؤالُ في الآيةِ ليس إحراجاً له، بل تَأكيداً عَلى أنَّه هو نَفسُه يَسمَعُ هذا الكِتابَ كما يَسمَعُه القارئ. الفَرقُ في صَفاءِ الإصغاء، لا في جَوازِ الإحاطة.

والتَّعليمُ هنا تَعليمٌ بِالنَّفي قَبلَ التَّعليمِ بِالإثبات. أَوَّلُ ما يَحتاجُه القارئُ في حَضرَةِ هذه اللَّيلةِ ليس مَعلومَةً جَديدة، بل اعتِرافٌ بِأنَّه لا يَملِكُ مِفتاحَ صورَتِها. بَعدَ هذا الاعتِرافِ يَأتي الجَوابُ في الآيةِ التالية، وهو جَوابٌ مُقارَنة، لا جَوابٌ تَعريف.

«أَدراك»: الدِّرايَةُ تَلتَقِطُ القَرائن، والقَرائنُ هنا مَستورة

الدِّرايَةُ في اللِّسانِ غَيرُ العِلمِ المُجَرَّد. العِلمُ قد يَأتي بِالخَبَر، أمّا الدِّرايَةُ فَتَأتي بِالحِسِّ والقَرينَة: تَدري الشَّيءَ حينَ تُلامِسُ آثارَه، أو تَستَدِلُّ عليه من شَواهِدِه. وفي الفِعلِ «أَدرى» مَعنى التَّعريفِ بِالقَرينة: مَن أَدراك أيْ مَن أَعطاكَ القَرينةَ التي بِها تَعرف.

وفي السؤالِ «وما أَدراكَ ما لَيلةُ القَدر»: ما القَرينةُ التي تَهديكَ إلى صورَةِ هذه اللَّيلة؟ والجَوابُ ضِمنيٌّ: لا قَرينة. اللَّيلةُ مَستورة، والمَلائكةُ تَنزِلُ بِغَيرِ صَوتٍ يُسمَع، والمَقاديرُ تَتَوَزَّعُ بِغَيرِ ميزانٍ يُرى. الحَواسُّ كلُّها مَعزولةٌ عَن مَجراها. ولذلك يُسأَلُ النَّبيُّ ﷺ بِفعلٍ يَخُصُّ الحِسَّ والقَرينَة: ما أَدراك، لا ما أَعلَمَك.

والقارئُ في هذا المَوضعِ يَتَعَلَّمُ أنَّ بَعضَ ما يَجري في الكَونِ لا يُلتَقَطُ بِأَدواتِنا المُعتادة. اللَّيلةُ تَمُرُّ علَيه وهو نائم، أو هو قائمٌ يُصَلِّي، ولا يَدري أَنَّ السَّماءَ مَفتوحَةٌ فَوقَ رَأسِه. ومَن يَطلُبُ القَرينَةَ بِالعَينِ والأُذُنِ يَخسَرُها. ومَن يَدخُلُ بِالقَلبِ المُتَواضعِ يُؤذَنُ له بِما لا يَدري.

إعادةُ الاسم: «ما لَيلةُ القَدر»، لا «ما هي»

السؤالُ لم يَقُل «وما أَدراكَ ما هي»، مع أنَّ الضَّميرَ يَسُدُّ المَوضعَ نَحويّاً. أَعادَ الاسمَ كامِلاً: «ما لَيلَةُ القَدر». التَّكرارُ تَفخيمٌ وَتَهويل. الاسمُ يُذكَرُ مَرَّتَين كأنَّه ثَقيلٌ على اللِّسان، يَستَحِقُّ أن يُحمَلَ في النَّصِّ كَما يُحمَلُ في الكَون.

وفي البَقَرة، حين يَكونُ المَقامُ مَقامَ تَفخيمٍ يَستَدعي الإعادة، يَأتي الأُسلوبُ نَفسُه: الْحَاقَّةُ ۝ مَا الْحَاقَّةُ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ (في الحاقّة، لا في البَقَرة، ولكنّ النَّسَقَ بَنيَويٌّ). الاسمُ يُكَرَّرُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، والتَّكرارُ نَفسُه يَدُلُّ على أنَّ المُسَمَّى لا يَدخُلُ في عِبارةٍ واحِدة. وهنا في القَدرِ مَرَّتانِ تَكفيان لِلتَّفخيم: الإِخبارُ في الأُولى، والسؤالُ في الثانية.

ولذلك تَأتي الآيةُ التالية بِجَوابٍ غَيرِ تَعريفِيّ: «خَيرٌ من أَلفِ شَهر». لم تَقُل «ليلَةُ القَدرِ هي اللَّيلةُ التي…»، بل اختارَت المُقارَنة. لأنَّ ما لا يُحَدُّ بِالتَّعريف، يُقَرَّبُ بِالمُقارَنة. الكَلِمَةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والمُقارَنةُ تَسبِقُ التَّعريف.


حَصيلة

السؤالُ لا يَطلُبُ خَبَراً، بل يَبُثُّ مَهابَة. «وما أَدراكَ» (د-ر-ي) يَنفي الدِّرايَةَ: المَعرفةَ التي تُلتَقَطُ بِالحَواسِّ والقَرائِن. وحتّى النَّبيُّ ﷺ مُخاطَبٌ بِهذا النَّفي: ما يَجري في هذه اللَّيلةِ أكبَرُ من أن تَقودَ إلَيه قَرينَةٌ حِسِّيَّة. والإعادَةُ مَقصودَة: «ما لَيلةُ القَدر» ـ لا «ما هي» ـ فَيَثقُلُ الاسمُ في اللَّفظِ مَرَّتَين. الآيةُ تَقِفُ بَينَ الإخبارِ (الآية 1) والوَصفِ (الآية 3)، جِسرٌ من الصَّمتِ المُهيبِ يُعَلِّمُ القارئَ أَوَّلَ ما يَحتاجُه: الاعترافُ بِعَجزِه قَبلَ أن يَسمَعَ ما سيَلي. والبَقَرةُ تُقَرِّرُ الحَدَّ نَفسَه: وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، والسَّكوتُ على ما لا يُدرَكُ شُعبَةٌ من العِلم.