القدر · الآية 3

﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ

«خَيرٌ من»: المُقارَنَةُ التي لا تَنغَلِق

صيغةُ التَّفضيلِ «خَيرٌ» مَحذوفةُ الهَمزَة، وهي تُساوي «أخيَر» في الأصل، والتَّفضيلُ بِها مَفتوح، فقد أُطلِقَتِ الخَيرِيَّةُ على المُقابَلةِ كلِّها، وعُدِلَ عن نَحوِ «خَيرٌ منها بِكَذا» و«أَفضَلُ بِنِسبَة»، فما في اللَّيلةِ من خَيرٍ يَفوقُ ما في أَلفِ شَهرٍ من خَيرٍ بِغَيرِ تَحديدٍ لِنِسبَة. وفي البَقَرة، حين يُذكَرُ الخَيرُ مَوصوفاً بِالكَثرة، يَأتي التَّعبيرُ نَفسُه: وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، والخَيرُ الكَثيرُ سَريانٌ يَتَفَرَّع، غَيرُ عَدَدٍ يَتَزايَد. وفي ليلةِ القَدرِ الجِنسُ نَفسُه، فهو سَريانٌ يَفوقُ كلَّ كَمّ، وليس كَمّاً زَمَنيّاً.

والكَلِمَةُ الواحِدة «خَيرٌ» تَحمِلُ ثِقَلَ الجَوابِ كُلَّه على السؤالِ السابِق، وأوثِرَ فيه «هي خَيرٌ مِن كَذا» على «هي ليلَةُ كَذا وكَذا»، فالتَّعريفُ بِالأَثَر دونَ الماهِيَّة. والأَثَرُ ميزانٌ من نَوعٍ آخَر، يُقاسُ بِما يَفعَلُه في المُقاس، ولا يُقاسُ بِأَجزائه، والكَلِمَةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، وَالأَثَرُ يَسبِقُ التَّعريف.

«ألفِ شَهر»: الزَّمَنُ المَنشورُ في وَجهِ الزَّمَنِ المَطوِيّ

ولِلأَلفِ في اللِّسانِ مَعنى الجَمعِ والالتِئام، فَضلاً عن كَونِه عَدَداً، فجَذرُه (أ-ل-ف) مِن الإِيلاف، وهو التِئامُ النُّفوسِ والاجتِماعُ على شَيءٍ واحِد، والأَلفُ عَدَدٌ كَثيرٌ جامِع يَستَدعي التِئامَ أَفرادِه كُلِّها في تَمامِ العَدَد. وفي سورةِ قُرَيشٍ، وهي بَعدَ هذه السورةِ بِتِسعٍ في تَرتيبِ المُصحَف، يَأتي الإِيلافُ صَريحاً: لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ۝ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾، فالجَذرُ يَجمَعُ الناسَ على الرِّحلَة، ويَجمَعُ الزَّمَنَ على عَدَدٍ كَبير.

وَ«شَهر» في جَذرِه (ش-ه-ر) إعلانٌ يَنتَشِرُ على المَلَأ، لأنَّ الشَّهرَ يُعلَنُ بُدؤه بِرُؤيَةِ الهِلال، فالشَّهرُ زَمَنٌ مَنشورٌ مُذاع، وَأَلفُ شَهرٍ زَمَنٌ مُذاعٌ مُلتَئِمٌ في وَحدَةٍ كُبرى، وفي مُقابَلَتِه ليلةٌ واحدةٌ مَستورة. فالسَّترُ في كَفّة، والإِعلانُ في كَفّة، وَالميزانُ يَميلُ إلى السَّتر.

وَلِذلكَ كانَ هذا الجَوابُ تَعليماً بَلاغيّاً لا يُقاوَم، ومُؤَدّاه أنَّ ما يَجري في السَّترِ يَفوقُ ما يَجري في الإِعلان، وأنَّ اللَّيلةَ التي لا يَدري بِها أَحَدٌ تَفوقُ عُمراً يُذاعُ بِأَكمَلِه. و«الكَلِمَةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيَّة»، فدَورُ هذه اللَّيلةِ في تَوزيعِ المَقاديرِ يَسبِقُ كلَّ تَسميَةٍ تُقالُ فيها.

عُمرُ إنسانٍ في كَفَّةٍ، وَلَحظَةٌ في كَفَّةٍ

وأَلفُ شَهرٍ تُعادِلُ ثَلاثاً وَثَمانينَ سَنةً وَأَربَعةَ أَشهُر، وهي عَلى وَجهِ التَّقريبِ مُتَوَسِّطُ ما يُمكِنُ لِإنسانٍ أن يَعيشَ. وقد اختارَتِ السورةُ هذا العَدَدَ بِعَينِه، فمِقدارُ عُمرٍ كامِلٍ يُوضَعُ في كَفّة، وَتُوضَعُ ليلَةٌ واحِدَةٌ في الكَفّةِ الأُخرى، ومَن أَدرَكَ هذه اللَّيلةَ بِقَلبٍ يَقِظٍ فقد قَبَضَ ما يَفوقُ ما يَقبِضُه عُمرُه نَفسُه.

وهذا التَّوزيعُ غَيرُ المَألوفِ يَكشِفُ عَن مَعنىً أَعمَقَ في الجَذرِ نَفسِه، فالقَدرُ في الجَذرِ قُوّةٌ مَوزونةٌ تَمتَدُّ في مِقدارِها، والمَقاديرُ مُتَفاوِتةُ الأَوزان، فلَحظةٌ تَزِنُ سَنَةً، وَسَنةٌ تَزِنُ ساعَة. والميزانُ الإِلَهيُّ يَكسِرُ خَطَّ الزَّمَنِ المُستَقيمَ الذي نَعرفُه، ليَفتَحَ زَمَناً ذا كَثافَةٍ غَيرِ مُتَّسِقَة.

والقارئُ الذي يَدخُلُ هذه السورةَ بِزَمَنِه المُعتادِ يَخسَرُ مَوضعَه فيها، والزَّمَنُ فيها يُحسَبُ بِالقَدر دونَ السّاعات. ومَن أَرادَ أن يَلتَقطَ هذه اللَّيلَةَ التَقَطَها بِفَتحِ نَفسِه لِما يَتَنَزَّل، ولم يَلتَقِطْها بِعَدِّ ساعاتِ القيام، والعَدُّ هُنا يَستَقيم: لَحظَةٌ مُتَفَتِّحَةٌ تُساوي عُمراً مُغلَقاً.


حَصيلة

أُجيبَ السؤالُ في الآيةِ السابِقةِ بِمُقارَنة، وعُدِلَ فيه عن التَّعريف: «لَيلةُ القَدرِ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهر»، والأَلفُ شَهرٍ تَزيدُ على ثَلاثةٍ وَثَمانينَ سَنة، وهي عُمرُ إنسانٍ كامِل، فليلةٌ واحِدةٌ تَفوقُ كلَّ ما قَد يَعيشُه إنسانٌ في عُمرِه. و«خَيرٌ» (خ-ي-ر) نَكِرَةٌ، وهي صيغَةُ تَفضيلٍ مَحذوفَةُ الهَمزَة، والجَذرُ يَدورُ على سَريانِ النَّفعِ وامتِداده، دونَ كَمٍّ ساكِن. والمُفاضَلةُ فيما يَجري في الوِعاء، لا في الكَمِّيَّةِ الزَّمَنيَّة، فما يَجري في هذه اللَّيلةِ يُغَيِّرُ ميزانَ ما يَجري في أَلفِ شَهر. وكَأَنَّ الاختيارَ المُحَدَّدَ لِهذا العَدَدِ يُشيرُ إلى أنَّ ما لا يُحَدُّ بِالتَّعريفِ قَد يُقَرَّبُ بِعَدَدٍ يُفتَحُ ولا يُغلَق.