القدر · الآية 1

﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ

«إنَّا أَنزَلناه»: ضَميرٌ قَبلَ الاسم، وفِعلٌ قَبلَ السؤال

الهاءُ في «أَنزَلناه» تَعودُ على القُرآنِ وإن لم يُذكَر، وهذا اختيارٌ بَلاغيٌّ شَديدُ الدَّلالة، إذ يَفترِضُ الكِتابُ أنَّ المُنَزَّلَ مَعروفٌ بِالسِّياقِ الكَونيِّ كلِّه، ولا يُسَمّي نَفسَه ليُنزِلَ نَفسَه. وما من شيءٍ آخَرَ في هذه السورةِ يَستحِقُّ ضَميرَ الإنزال، فالمُسَمَّى يَسبِقُ التَّسميَة، والمُنَزَّلُ يَسبِقُ نُطقَ اسمِه.

وفي «إنَّا» نونُ العَظمة، وهو الافتِتاحُ نَفسُه الذي تَفتَتِحُ به سورةُ الكَوثَر إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، فهُناكَ عَطاءٌ مَفروغٌ منه، وهُنا إنزالٌ مَفروغٌ منه. والصيغةُ هي الصيغة: مُتَكَلِّمٌ واحدٌ بِصيغَةِ الكَثرَة، وفِعلٌ ماضٍ يَضَعُ المَفعولَ في يَدِ المُخاطَبِ قَبلَ أن يُطلَبَ منه شَيء.

وحينَ تَذكُرُ البَقَرةُ هذا الإنزالَ نَفسَه باسمِه الزَّمانيِّ تَقول: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، فالفِعلُ هو الفِعل، والمَفعولُ هو المَفعول، غَيرَ أنَّ الظَّرفَ هُناكَ شَهرٌ كامِل، وهو هُنا لَيلةٌ منه، فالسورةُ تُضيِّقُ العَدَسَةَ من الشَّهرِ إلى ليلةٍ واحدةٍ فيه. ومَن قَرأَ البَقَرةَ ثمَّ القَدرَ عَرَفَ أنَّ النّورَ الذي يَفيضُ على شَهرٍ كامِلٍ مَركزُه نُقطةٌ تَختفي في ظَلامِه.

«ليلةِ القَدر»: السَّترُ الذي يَكشِفُ الميزان

واللَّيلُ في جَذرِه (ل-ي-ل) اتّصالُ ظَلامٍ ساتِر، والظَّلامُ في القُرآنِ وِعاءٌ تُخفى فيه الأشياءُ ليُسمَعَ ما تَحتَها، وليس عَدَماً. واللَّيلُ في غَيرِ هذه السورةِ ظَرفُ الإنفاقِ الخَفيِّ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾، والسَّترُ فيه يَحمي الفِعلَ من رِياءِ النَّهار، وهو هُنا يَحمي نُزولَ المَقاديرِ من اضطِرابِ المَشهد.

والقَدرُ (ق-د-ر) قُوّةٌ مَوزونة، أي طاقةٌ مَحبوسةٌ تَمتَدُّ في مِقدارِها، فليلةُ القَدرِ إذَن ليلةٌ تَنزِلُ فيها كلُّ المَقاديرِ في مَواضعِها، فلا تَتجاوَزُها ولا تَتَخَلَّفُ عنها. وهي في الوَقتِ نَفسِه ليلةُ القيمَة، فـ«قَدرُ الشَّيء» قيمَتُه، واللُّغةُ تَسمَحُ بالقِراءَتَين دونَ تَناقُض: ليلةٌ مَوزونةٌ كائنةٌ في مَوضعِها، وليلةٌ غاليةٌ تَفوقُ ما يُقاس.

وَلِذلِكَ تَأتي الآيةُ التاليةُ بِسؤالٍ: وما أَدراكَ ما لَيلةُ القَدر؟، لأنَّ السَّترَ لا يُكشَفُ بِالنَّظَر، والميزانَ لا يُرى بِالعَين، وما يَجري في هذه اللَّيلةِ يَحتاجُ إلى دَلالةٍ من خارِجِ الحَواسّ. ومَن يَنامُ تَحتَ هذا السَّترِ ولا يَعرِفُ ما تَحتَه فهو نائمٌ على كَنزٍ لا يَدري بِه.

الإفعالُ لا التَّفعيل: نُزولٌ واحدٌ يَختلِفُ عمّا يَأتي بَعدَه

واختيارُ «أَنزَلناه» على وَزنِ الإفعالِ مَقصود، فالإفعالُ يَدُلُّ على الفِعلِ في صورَتِه الواحدة، أي أنَّه حَدَثَ مَرَّة، أمّا التَّفعيلُ (نَزَّلَ) فَيُفيدُ التَّكرارَ والتَّدَرُّج. وفي الآيةِ الرابعةِ من هذه السورةِ نَفسِها «تَنَزَّلُ المَلائكةُ» بِصيغةِ التَّفَعُّل، وهي تَدُلُّ على نُزولٍ مُتَدَرِّجٍ مُتَكَرِّر، فالقُرآنُ نَزَلَ مَرَّةً واحدةً جُملَةً، والمَلائكةُ تَنزِلُ في كلِّ سَنةٍ على المَوعِدِ نَفسِه.

وهذا التَّمييزُ بِنيَويٌّ، زِيادةً على أنَّه نَحويّ، فالكِتابُ نَزَلَ ولن يَنزِلَ بَعدَه كِتاب، وبَركَتُه تَتَنَزَّلُ في كلِّ ليلةٍ تُشبِهُ ليلتَه الأُولى. ومَن يَقومُ ليلةَ القَدرِ يَفتَحُ نَفسَه لِما يَتَنَزَّلُ في إثرِ نُزولِه، ولا يُنزِلُ القُرآنَ من جَديد، فهُنا فِعلٌ تَمَّ وفِعلٌ يَتَواصَل، والكِتابُ ثابِتٌ والبَركَةُ جاريَة.


حَصيلة

تَفتَتِحُ السورةُ بِضَميرٍ لا مَرجِعَ له في النَّصِّ: «أَنزَلناه»، والهاءُ تُحيلُ إلى القُرآنِ مُفتَرِضَةً أنَّه مَعروفٌ قَبلَ أن يُسَمَّى. وجاءَ «إنَّا أَنزَلناه» بِنونِ العَظمَةِ وفِعلٍ ماضٍ مَفروغٍ منه، فالإنزالُ وَقَعَ وانتَهى. و«أَنزَلنا» (ن-ز-ل) على وَزنِ الإفعالِ يَدُلُّ على فِعلٍ واحِدٍ جُملَةً، دونَ التَّفعيلِ المُتَدَرِّج («نَزَّل»)، فالقُرآنُ نَزَلَ مَرَّةً واحِدَة، والمَلائكةُ في الآيةِ الرابِعةِ «تَنَزَّلُ» على التَّفَعُّلِ المُتَكَرِّر. و«لَيلةِ القَدر» (ق-د-ر) جِذرُها يَجمَعُ المَوزونَ والمَعدودَ والقيمَة، فهي ليلةٌ يَستُرُ فيها الظَّلامُ (ل-ي-ل) كلَّ شيء، والمَقاديرُ في الوَقتِ نَفسِه تَتَنَزَّلُ وتَتَوَزَّع، والسَّترُ الكَثيفُ يَحمي الميزانَ ولا يَحجُبُه. والبَقَرَةُ تُسَمِّي الظَّرفَ شَهراً كامِلاً: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وهذه السورةُ تُضَيِّقُ العَدَسَةَ إلى ليلةٍ واحدةٍ منه، فمَركَزُ النُّورِ نُقطَةٌ تَختَفي في ظَلامِه.