القدر · الآية 4

﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ

«تَنَزَّل»: التَّفَعُّلُ المُتَدَرِّجُ في مُقابَلِ الإِفعالِ المُنجَز

الفِعلُ في صيغةِ التَّفَعُّل (تَنَزَّل) يَدُلُّ على حَركةٍ تَتِمُّ على مَراحِل، وَتَتَكَرَّرُ في كلِّ مَرَّة، وهو مُقابِلٌ بِنيَويٌّ لِفِعلِ الآيةِ الأُولى «أَنزَلناه»، فالقُرآنُ نَزَلَ جُملةً واحِدة، إنزالاً واحداً (إفعال)، والمَلائكةُ تَنزِلُ على مَراحِل، تَنَزُّلاً مُتَدَرِّجاً (تَفَعُّل). وفي السورةِ كلِّها فِعلانِ من جَذرٍ واحدٍ على وَزنَينِ مُختَلِفَين، يَفتَحانِ بَينَهما هَيئَتَينِ مُختَلِفَتَينِ لِلنُّزول.

والمُضارِعُ هنا (تَنَزَّل، لا تَنَزَّلَت) مَقصودٌ كذلك، فالحَدَثُ في زَمَنٍ مُتَجَدِّد، وكلُّ ليلةِ قَدرٍ تَكونُ فِعلاً مُضارِعاً جَديداً، وصيغةُ المُضارِعِ تَجعَلُ الحَدَثَ أمامَ العَين. ومَن قَرأَ هذه السورةَ في ليلَةٍ منَ القَدرِ قَرَأَها مَشهَداً يَجري في تلك اللَّحظةِ نَفسِها فَوقَ رَأسِه، دونَ أن يَقرَأَها خَبَراً ماضِياً.

وَالقُرآنُ كلُّه أُنزِلَ مَرَّةً واحِدةً، غَيرَ أنَّه يُتَنَزَّلُ في القَلبِ مَرَّةً أُخرى مَع كلِّ قِراءَةٍ صادِقَة، والفِعلانِ في السورةِ يَفتَحانِ هذا التَّمييزَ نَفسَه: إنزالٌ واحدٌ مُكتَمِل، وَتَنَزُّلٌ مُتَجَدِّدٌ على مَن أَصغى.

«المَلائكةُ والرُّوح»: العَطفُ تَشريفٌ، وَالرُّوحُ مَكتومَة

والمَلائكةُ مَخلوقاتٌ اسمُها من جَذرِ الإحاطةِ والقَبضة (م-ل-ك)، وهو تَجمُّعٌ مُمتَدٌّ يَنتَهي إلى قَبضةٍ نافِذة، وَالمَلَكُ مَن يَنفُذُ أمرُه. وفي البَقَرة يَدخُلُ المَلائكةُ المَشهَدَ الأَوَّلَ من قِصَّةِ الإنسانِ مَعَ آدم: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، فهُم هُناكَ في حَضرَةِ خَلقِ الإنسان، وهُم هُنا، في القَدر، في حَضرَةِ تَوزيعِ مَقاديرِه.

وَ«الرُّوح» مَعطوفَةٌ بِالواو، وَالعَطفُ يَدُلُّ على تَمييز، فلو كانَتِ الرُّوحُ في عُمومِ المَلائكةِ لَدَخَلَت تَحتَ اسمِهم، وقد ذُكِرَت مُستَقِلَّةً فخَرَجَت من العُمومِ بِشَأنٍ خاصّ. وفي البَقَرة تُذكَرُ الرُّوحُ في سياقِ تَأييدِ عيسى: وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، فالرُّوحُ تُؤَيِّدُ الأَنبياء، وَتَنزِلُ في ليلَةِ القَدر، وَفي ذلك تَوحيدٌ بَنيَويّ، إذ ما يَحمِلُ الوَحيَ في النَّهارِ هو نَفسُه ما يَحمِلُ المَقاديرَ في اللَّيل.

وأَصلُ الرُّوحِ (ر-و-ح) جَريانٌ مَوصولٌ خَفيفٌ لا يُمسَكُ بِاليَد، وكأنَّ النَّصَّ يَختارُ لِما يَحمِلُ الأَمرَ الإِلَهيَّ اسماً يَدُلُّ على ما لا تُمسِكُه اليَد، فالأَمرُ يَنزِلُ وَلا يُقبَضُ علَيه بِالأصابِع، والرُّوحُ تَأتي فَتَترُكُ أَثَرَها ثمّ تَنصَرِف.

«بِإِذنِ رَبِّهم مِّن كلِّ أَمر»

و«بِإِذن» (أ-ذ-ن) تَصريحٌ مَسموع، والإِذنُ في الجَذرِ ابتِداءُ جَذبٍ مَسموع، فالكَلِمَةُ نَفسُها مَوصولةٌ بِالأُذن، ولا يَنزِلُ مَلَكٌ إلّا بِإذنٍ يَسمَعُه. وفي آيةِ الكُرسيِّ مِنَ البَقَرة، حين يُذكَرُ الإذنُ في مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ تُذكَرُ مَعه نِسبَتُه في الآيةِ نَفسِها: وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، فما يَخرُجُ عن إذنِه لا يَخرُج، وما يَخرُجُ فإنَّما يَخرُجُ بِنِسبَتِه إلى المَشيئَة.

وَأوثِرَ «رَبِّهم» على «الله»، فالمَذكورُ صِفَةُ التَّربيَة، دونَ صِفَةِ السُّلطانِ المُجَرَّد، والمَلائكةُ تَنزِلُ بِإذنِ مَن يُربِّيها هي وَالكَونَ كلَّه، والإذنُ يَخرُجُ من الجِهَةِ نَفسِها التي يَخرُجُ منها التَّكوين، فالنُّزولُ والتَّربيَةُ في يَدٍ واحِدة.

وَ«مِن» في «مِن كلِّ أَمر» للتَّبعيضِ أو لِلابتِداء، والقِراءَتانِ مُمكِنَتان، فإن كانَت لِلتَّبعيضِ فَالمَلائكةُ تَحمِلُ بَعضاً من كلِّ أَمر، وإن كانَت لِلابتِداءِ فَنُزولُهم مُبتَدَؤُه كلُّ أَمر، أيْ من جِهَةِ كلِّ أَمر. والقِراءَتانِ تَجتَمِعان على أنَّه لا أَمرَ يَكونُ في تلك السَّنةِ إلّا وَلِنُزولِهم به نَصيب، فالكَونُ في تلك اللَّيلةِ يُوَزَّعُ، وَالمَلائكةُ رَسائِلُ التَّوزيع.


حَصيلة

«تَنَزَّل» (ن-ز-ل) على وَزنِ التَّفَعُّل نُزولٌ مُتَدَرِّجٌ مُتَكَرِّر، وهو مُقابِلٌ بَنيَويٌّ لِـ«أَنزَلناه» في الآيةِ الأُولى، فالقُرآنُ نَزَلَ مَرَّةً واحِدةً جُملةً (إفعال)، وَالمَلائكةُ تَتَنَزَّلُ في كلِّ ليلةِ قَدرٍ (تَفَعُّل). والمُضارِعُ مَقصود، إذ يُحكى بِه الحَدَثُ مَشهَداً حاضِراً أمامَ القارئِ، لا خَبَراً ماضِياً. وجاءَتِ «المَلائكةُ» (م-ل-ك) بِعُمومِها، ثمّ «الرُّوح» (ر-و-ح) مَعطوفَةً عَلَيها بِالواو، والعَطفُ يَفتَحُ بابَ التَّمييز، وكأنَّ الثاني لَم يَكُن في الأَوَّل، وَإلّا لم يُخَصَّص. و«بِإذنِ رَبِّهم» (أ-ذ-ن) نُزولٌ مَأذونٌ غَيرُ مُستَقِلّ، مُقَيَّدٌ بِالمَرجِع. و«من كلِّ أمر» (أ-م-ر): هُم حامِلونَ لِكلِّ أمرٍ قُدِّرَ في هذه اللَّيلة، والسَّماءُ مَفتوحَة، والقارئُ تَحتَها نائِمٌ أو قائِم.