الفيل · الآية 5

﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ

«جَعَلَهُم»: الفاعِلُ نَفسُه يُكمِلُ التَّحويل

الفِعلُ «جَعَلَ» يَتَكَرَّرُ بَين الآيةِ الثانيةِ والآيةِ الخامِسة، ويَلفُّ السورةَ بَينَهما. الآيةُ الثانية: أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾. الآيةُ الخامسة: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾. الفاعِلُ نَفسُه، والفِعلُ نَفسُه. ما تَغَيَّرَ هو المَفعول: مَرَّةً «كَيدَهم»، ومَرَّةً «هُم» أَنفُسَهم.

وفي ذلك تَكاملٌ بَلاغيّ. الكَيدُ والكائِدُ في الحَقيقةِ شَيءٌ واحِد: مَن لازَمَ كَيدَه صارَ مِنه. فَلَمَّا جُعِلَ الكَيدُ في تَضليل، جُعِلَ الكائِدُ كَعَصفٍ مَأكول. الذي جُعِلَ في حالٍ تُهلِكُه، حُوِّلَ إلى حالٍ مُستَهلَكة. الفِعلُ يَتَدَرَّجُ من الخُطَّةِ إلى صاحِبِها، ومن الكَيدِ إلى الكائِد. ولا يَنفَكُّ المُلازِمُ عن مَلازِمِه.

والجِذرُ ج-ع-ل في أصلِه إنشاءُ شَيءٍ في حالةٍ جَديدة. لم يُخلَقوا من جَديد، ولم يُمحَوا من الوُجود. وُضِعوا في صورةٍ مُغايِرة. كانوا جَيشاً ذا هَيبةٍ ومَركَب، صاروا حُطاماً ذا تَناثُرٍ ودَوس. الفاعِلُ الذي حَوَّلَ هَيئَةَ اللَّيلِ إلى لِباس، وَهَيئَةَ الماءِ إلى حَياة، حَوَّلَ هَيئَةَ الكائِدينَ إلى عَصفٍ مَأكول.

«عَصف»: الزَّرعُ بَعدَ أن أُكِلَ منه

«العَصف» في الجِذرِ العربيِّ (ع-ص-ف) ما تَبَقّى من السَّاقِ والوَرَقِ بَعدَ أَخذِ الحَبّ، وقيلَ هو الزَّرعُ اليابِسُ المُتَكَسِّر. والجِذرُ نَفسُه يَتَّصِلُ بـ«العاصِفة»: الرّيحُ الشَّديدةُ التي تَكسِرُ وتُمَزِّقُ وتُطيِّرُ. كَأنَّ العَصفَ ما تَبَقَّى بَعدَ مُرورِ شَيءٍ كاسِر.

والاختيارُ دَقيق. لم يَقُل «كَتُرابٍ مَنثور» ولا «كَرَمادٍ مَطفَأ». هذه صُوَرٌ تَحمِلُ مَعنى الفَناء، لكنَّها لا تَحمِلُ مَعنى التَّبَقِّي بعدَ الاستِهلاك. العَصفُ يَحمِلُ هذا المَعنى بِالذَّات: ما يَبقى بَعدَ أن أُكِلَ منه. لم يَفنَ الجَيشُ كُلِّيّاً؛ بَقِيَ منه ما يَكفي ليُرى أنَّه كانَ شَيئاً، ثمّ صارَ لا شَيءَ. لم يُمحَ، بَل صارَ قِشراً يُرى.

وفي هذه الصورةِ مَوعِظةٌ لِمَن أَصغى. الذي يَلتَهِمُ، يُلتَهَم. الذي يَستَكثِرُ من الأَخذ، يُؤخَذُ منه. والذي يَبني هَيبَتَه على الفَيلِ والحَملةِ والحِجارة، يَنتَهي عَصفاً تَدوسُه أَقدامُ المُتَعَدِّين. والصورةُ مَكشوفةٌ في حَياةِ الفَلّاحِ كلَّ يَوم: السَّنابِلُ تُحصَدُ، فيُؤخَذُ الحَبُّ ويَبقى العَصف، ثمّ يَرعاهُ الحَيَوانُ، فيَبقى منه حُطامٌ يَتَناثَرُ في الرّيح.

«مَأكول»: الدَّورةُ المُكتَمِلة، الآكِلُ صار مأكولاً

«مَأكول» اسمُ مَفعولٍ من «أَكَلَ»: ما وَقَعَ عليه الأَكل. والأَكلُ في الجِذرِ العَربيِّ (أ-ك-ل) دُخولُ المَأكولِ في جَوفِ الآكِل، فيَستَهلِكُه ويَأخُذُ منه قُوَّتَه ويَطرَحُ ما لا يَنفَع. والعَصفُ المَأكولُ هو ما طُرِحَ بَعدَ الأَكل: لا قُوَّةَ فيه، ولا فائدةَ منه.

والصُّورةُ تَكتَمِلُ في دائرة. الجَيشُ خَرَجَ ليَأكُلَ بَيتَ النّاس: ليَهدِمَه ويَستَهلِكَه ويَأخُذَ مَوضِعَه. ثمّ صارَ هو المَأكول: استُهلِكَ وطُرِحَ. الفاعِلُ في الفِعلِ الأَوَّلِ صارَ المَفعولَ في الفِعلِ الثاني. الآكِلُ صارَ مَأكولاً. وهذه دائِرةٌ تَلَفُّها الآيةُ في كلمتَين: «كَعَصفٍ مَأكول».

وفي القُرآنِ يَتَكَرَّرُ هذا المَعنى في مَواضِع: إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾. الذي يَأكُلُ المالَ المُحَرَّمَ يَأكُلُ ناراً تَأكُلُه. والذي يَأكُلُ بَيتَ غَيرِه يَنتَهي مَأكولاً. القانونُ واحِد، والصُّوَرُ تَتَعَدَّد. وسورةُ الفيلِ تَختصِرُ القانونَ كلَّه في تَشبيهٍ من حَياةِ الفَلّاح: عَصفٌ مَأكول. كَلِمَتانِ تَختِمانِ السورةَ، وفيهما الحُكمُ كلُّه.

ومَن قَرَأَ السورةَ من أَوَّلِها إلى آخِرِها رَأى المَنحى: «أَلَم تَرَ» سُؤالٌ يَستَحضِر، «جَعَلَ كَيدَهم» تَحويلٌ في الخُطَّة، «أَرسَلَ» تَسييرٌ من فَوق، «تَرميهم» قَذفٌ مُسَدَّد، «جَعَلَهم» تَحويلٌ في الكائِد. خَمسُ آياتٍ، وكُلُّها فاعِلٌ واحِدٌ يُمسِكُ المَشهَدَ كلَّه. مَن أَرسَلَ هو الذي رَمى، ومَن رَمى هو الذي حَوَّلَ، ومَن حَوَّلَ هو الذي يُربّيك أنتَ يا قارِئَ السورة.


حَصيلة

تَختِمُ الفاءُ المَشهَدَ وتُغلِقُه. «جَعَلَهم» (ج-ع-ل) هو الفِعلُ ذاتُه الذي وَرَدَ في الآيةِ الثانيةِ على الكَيد: هناك جَعَلَ الخُطَّةَ في تَضليل، وهنا جَعَلَ القائمينَ عليها كَعَصفٍ مَأكول. الفِعلُ نَفسُه يَلُفُّ السورةَ: تَحويلٌ من حالٍ إلى حال، لا فَناءٌ من الوُجود. «عَصف» (ع-ص-ف) ما تَبَقَّى من السَّاقِ بَعدَ أن أُخِذَ الحَبُّ: قَبضٌ على صَلابةٍ ثُمَّ انفِلاتٌ يُكَسِّرُها. وهو نَفسُ جِذرِ «العاصِفة» التي تَكسِرُ ما تَقبِضُ عليه. «مَأكول» (أ-ك-ل) اسمُ مَفعول: ما اِستُهلِكَت قُوَّتُه وطُرِحَت فُضالَتُه. الدّائرةُ تَكتَمِلُ في كَلِمَتَين: الجَيشُ الذي خَرَجَ ليَأكُلَ بَيتَ النَّاسِ صارَ هو المَأكول. الفاعِلُ في الفِعلِ الأَوَّلِ صارَ المَفعولَ في الفِعلِ الأَخير. ومَن أَصغى رَأى القانونَ كلَّه في خَمسِ آيات.