طه · الآية 53

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ

«الَّذِي»: صِلةٌ ثانِيةٌ تُضافُ إلى صِلةٍ سابِقة

خَلا صَدرُ هذه الآيةِ من «قَالَ»، فهي تَبدَأُ بِمَوصولٍ كَما جاءَ في الجَوابِ الأوَّلِ مَوصول: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ﴾، فالتَّعريفُ بِالعَمَلِ ما زالَ جارِياً، ويُزادُ عَلَيه.

وكانَ هُناكَ فِعلان، وهي هُنا أربَعة، فمَن سَألَ عن اسمٍ واحِدٍ يُشارُ إلَيه صارَ يَسمَعُ سِتّةَ أفعالٍ في جَوابَين، والجَوابُ لا يَنغَلِقُ عِندَ حَدٍّ يَقِفُ عِندَه السّامِع.

«جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا»: لامٌ تَسبِقُ المَفعولَين

والفِعلُ «جَعَلَ» ومَفعولاهُ «الْأَرْضَ» و«مَهْدًا»، وبَينَ الفِعلِ ومَفعولِه الأوَّلِ حَرفٌ لم يَكُنْ لازِماً: «لَكُمُ»، وبِه قُدِّمَ المُنتَفِعُ على ما يَنتَفِعُ بِه.

وتَعودُ هذه اللّامُ في الجُملةِ الثّانيةِ أيضاً: «وَسَلَكَ لَكُمْ»، ثُمَّ تَغيبُ عن الثّالِثةِ والرّابِعة، فمَرَّتَينِ يُذكَرُ المُخاطَبُ ومَرَّتَينِ يُسكَتُ عَنه. و«كُم» جَمعٌ والسّائِلُ واحِد، فالخِطابُ يُجاوِزُه.

و«المِهاد» مَفهومٌ يُرجَعُ فيه إلى المُعجَم، والذي يَزيدُه هذا المَوضِعُ اثنان: أنَّ اللَّفظَ جاءَ نَكِرةً مَنصوبةً على وَزنِ «المَهْد»، وأنَّ المَوصوفَ بِه الأرض.

ومادّةُ م-ه-د احتِواءٌ يَرِقُّ ويَلينُ ثُمَّ يُثَبَّتُ لِيَحمِلَ ما يوضَعُ عَلَيه، فاللَّفظُ يَحمِلُ ثَلاثاً: أنَّه يَحُفُّ بِمَن عَلَيه، وأنَّه لَيِّنٌ غَيرُ صُلب، وأنَّه ثابِتٌ لا يَنزاح. ولَيسَ في الآيةِ بَعدَ ذلك حَرفٌ يَصِفُ الأرض، ولا حَرفٌ يُبَيِّنُ كَيفَ صارَت كَذلِك.

«وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا»: طَريقٌ يُدخَلُ في الأرضِ لا يُمشى عَلَيها

وأصلُ س-ل-ك إجراءُ شَيءٍ في مَجرىً ضَيِّقٍ حتّى يَغورَ فيه، ومِنه «سَلَكَ الخَيطَ في الإبرة»، فالفِعلُ يُدخِلُ ولا يَمشي.

والمَفعولُ «سُبُلًا» نَكِرةٌ مَجموعة، والجارُّ والمَجرورُ «فِيهَا» قَبلَه، فالسُّبُلُ أُدخِلَت في الأرضِ إدخالاً، ولم توضَعْ عَلَيها وَضعاً، والطَّريقُ في هذه الآيةِ شَيءٌ مَغروزٌ في المَحَلّ، غَيرُ خَطٍّ مَرسومٍ فَوقَه.

وفي تَرتيبِ الجُملَتَينِ أنَّ الأرضَ جُعِلَت أوَّلاً مَهداً يوضَعُ عَلَيه مَن لا يُمسِكُ نَفسَه، ثُمَّ سُلِكَ فيها ما يُمشى فيه، فالاستِقرارُ قَبلَ السَّير، والمَوضوعُ قَبلَ الماشي.

«وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً»: مَصدَرٌ واحِدٌ ومُنَزَّلٌ واحِدٌ مُنَكَّر

والفِعلُ الثّالِثُ لا لامَ فيه، وقد غابَ فيه المُخاطَبُ وحَضَرَتِ الجِهَتان: «مِنَ السَّمَاءِ» مَصدَراً، و«مَاءً» مُنَزَّلاً.

و«مَاءً» نَكِرةٌ مُفرَدة، بِلا نَوعٍ ولا مِقدارٍ ولا وَقت، وسَتَخرُجُ من هذه النَّكِرةِ الواحِدةِ جُملةٌ مَجموعةٌ مَوصوفةٌ بِالتَّفَرُّق، فالنّازِلُ واحِدٌ والطّالِعُ كَثير.

«فَأَخْرَجْنَا»: السَّطرُ يَنقَلِبُ من الغَيبةِ إلى المُتَكَلِّمِ عِندَ فاء

جاءَت ثَلاثةُ أفعالٍ بِالغَيبة: «جَعَلَ» و«سَلَكَ» و«أَنزَلَ»، ثُمَّ فاءٌ واحِدة، وبَعدَها «فَأَخْرَجْنَا» بِـ«نا» المُتَكَلِّم. الكَلامُ عنه يَصيرُ كَلاماً منه في وَسَطِ الجُملة.

ولا حَرفَ يُمَهِّدُ لِهذا الانتِقالِ غَيرُ الفاء، فقد كانَ مَوصوفاً في الأفعالِ الثَّلاثةِ يَتَحَدَّثُ عَنه مَن يَتَحَدَّث، فصارَ في الفِعلِ الرّابِعِ هو المُتَكَلِّم، فوَقَفَ مَن كانَ يَحكي، وتَكَلَّمَ مَن كانَ يُحكى عَنه.

وهذا مِمّا يُقرَأُ ولا يُمَرُّ عَلَيه: الأفعالُ الثَّلاثةُ الأولى تُوصَفُ من بَعيد، أرضٌ ومَسالِكُ وماء، والفِعلُ الرّابِعُ هو الذي يُخرِجُ الحَيَّ من ذلك كُلِّه، وعِندَه وَحدَه تَبَدَّلَ الضَّمير.

«أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ»: المَعدودُ أزواجٌ والمَوصوفُ بِالتَّفَرُّقِ نَبات

وأوثِرَ «أَزْوَاجًا» على «فَأَخرَجنا بِه نَباتاً»، ثُمَّ بُيِّنَ من أيِّ شَيءٍ هي: «مِّن نَّبَاتٍ»، فالمَخرَجُ مَعدودٌ بِالأزواجِ لا بِالأفراد.

ومَدارُ ز-و-ج على اثنَينِ يُضَمُّ أحَدُهُما إلى الآخَرِ ضَمّاً مُكتَنِزاً فيَصيرانِ كُتلةً واحِدة، فالزَّوجُ ما لا يُعَدُّ وَحدَه. وأصلُ ش-ت-ت تَفَرُّقٌ مَحدودٌ كُلُّ طَرَفٍ مِنه قائِمٌ في حَدِّه، غَيرُ انتِثارٍ بِلا حُدود.

فاجتَمَعَ في آخِرِ الآيةِ اقتِرانٌ وافتِراق: أزواجٌ مَضمومةٌ من نَباتٍ مُتَفَرِّق، وكُلُّها بِماءٍ واحِدٍ مُنَكَّر. والباءُ في «بِهِ» باءُ الأداةِ لا باءُ الفاعِل، أي بِه أُخرِجَت، ولَيسَ هو الذي أخرَجَ.


حَصيلة

مَوصولٌ يَستَأنِفُ صِلةً بَدَأَت قَبلَ ثَلاثِ آيات، فيَرتَفِعُ عَدَدُ الأفعالِ في جَوابِ سُؤالٍ طَلَبَ اسماً واحِداً. ثُمَّ تَجري الجُمَلُ في دائِرةٍ مُغلَقة: مَهدٌ تَحتَ القَدَم، ومَسالِكُ في عَرضِ الأرض، وماءٌ يَنزِلُ من فَوق، وخارِجٌ يَطلُعُ من تَحت. واللّامُ تُقَدِّمُ المُخاطَبَ في الأُولَيَينِ ثُمَّ تَغيبُ في الأُخرَيَين، و«كُم» جَمعٌ يُجاوِزُ السّائِل. و«مَهْدًا» يَقَعُ نَكِرةً مَنصوبةً على وَزنِ المَهدِ دونَ المِهاد، ومادّتُه احتِواءٌ يَلينُ ثُمَّ يَثبُتُ لِيَحمِل، فتُسَمّى الأرضُ بِما يُسَمّى بِه ما يوضَعُ عَلَيه مَن لا يُمسِكُ نَفسَه. و«سَلَكَ» إدخالٌ في مَجرىً لا مَشيٌ فيه، فالسُّبُلُ مَغروزةٌ في الأرضِ غَيرُ مَرسومةٍ عَلَيها، والاستِقرارُ قَبلَ السَّير. ثُمَّ يَنزِلُ ماءٌ واحِدٌ مُنَكَّرٌ من جِهةٍ واحِدة، وعِندَ الفاءِ تَنقَلِبُ الآيةُ من الغَيبةِ إلى المُتَكَلِّم، فما كانَ يُحكى عَنه يَتَكَلَّمُ عِندَ الفِعلِ الذي يُخرِجُ الحَيّ. والمَخرَجُ أزواجٌ مَضمومةٌ من نَباتٍ مُتَفَرِّق، والباءُ باءُ أداةٍ لا باءُ فاعِل. فماءٌ واحِدٌ يَنزِل، وأزواجٌ من نَباتٍ شَتّى تَطلُع، والآيةُ لا تَقولُ كَيف.