الإسراء · الآية 8

﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا

«عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ»: بابٌ يُفتَحُ ولا يُوثَق

بَعدَ التَّفتيتِ في الآيةِ قَبلَها، تُفتَتَحُ هذه بِكَلِمةِ رَجاء. و«عَسى» في ع-س-ي دُنُوٌّ يَجري ولم يَستَبِنْ بَعد: قُربٌ لم يُقطَعْ دونَه ولم يُوثَقْ به. ولاحِظِ الفَرقَ بَينَ طَرَفَي القِصّة: ما وَقَعَ قيلَ فيه «وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا»، وما يُرجى يُقالُ فيه «عَسى». الآيةُ لا تُسَوّي بَينَ ما نَفَذَ وما يُرتَجى.

ثُمَّ «رَبُّكُمْ» بِإضافةٍ إلى المُخاطَبين. مَرَّ الفَسادُ والعُلُوُّ والبَأسُ والتَّفتير، ولم تُنزَعِ الكافُ والمِيمُ من الكَلِمة. الصِّلةُ لم تُقطَعْ بِما جَرى.

«وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا»: فِعلٌ واحِدٌ على الطَّرَفَين

هذه ثاني مَرّةٍ في عَشرِ آياتٍ يُجعَلُ فيها الجَوابُ هو الشَّرطَ بِلَفظِه. قيلَ قَبلَ سَطر: «أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ»، ويُقالُ هُنا: «عُدتُّمْ عُدْنَا». لا يُستَحدَثُ لِلجَوابِ فِعلٌ آخَر؛ يُرَدُّ الفِعلُ نَفسُه بِفاعِلٍ آخَر.

والعَودُ مَكتوبٌ في المُعجَمِ بِما يَغني عن إعادَتِه هُنا: دَورةٌ تُغلَقُ على مَبدَئِها ثُمَّ تَستَأنِف. والذي تُضيفُه هذه الآيةُ أنَّها وَضَعَتِ الدَّورةَ على الطَّرَفَين. فما تَصنَعُه أنتَ بِالعَودِ يُصنَعُ بِكَ بِالعَودِ، على الهَيئةِ نَفسِها لا على هَيئةٍ أُخرى.

ولاحِظْ أنَّ الفِعلَ لم يُعَدَّ إلى مَفعول. لم يُقَلْ عُدتُّم إلى ماذا ولا عُدنا بِماذا. تُرِكَ الطَّرَفانِ عارِيَينِ من المُتَعَلَّق، فبَقِيَ في اللَّفظِ شَكلٌ لا مَضمونٌ مُعَيَّن. أربَعُ كَلِماتٍ اثنَتانِ منها فِعلٌ واحِد: هكَذا يُكتَبُ قانونٌ لا حادِثة.

«وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا»: كَلِمةٌ تُعلَنُ ولا تُحسَم

«جَعَلنا» ثالِثةَ مَرّة. جُعِلَ الكِتابُ هُدىً في الثّانِية، وجُعِلَ القَومُ أكثَرَ نَفيراً في السّادِسة، ويُجعَلُ هُنا حَصيراً. فِعلٌ واحِدٌ يَضَعُ الأشياءَ في أحوالِها، ويَجري في العُنقودِ من أوَّلِه إلى آخِرِه.

و«حَصِيرًا» كَلِمةٌ تَحتَمِلُ وَجهَينِ من جِذرٍ واحِد. الحَصرُ تَضييقٌ يُطبِقُ حتّى لا يَبقى مَخرَج، والحَصيرُ ما نُسِجَ فضُمَّ بَعضُه إلى بَعضٍ حتّى لا تَبقى فيه فُرجة. والجِذرُ ح-ص-ر يُعطي الوَجهَينِ بِمَعنىً واحِد: ضَمٌّ مُطبِقٌ لا يَدَعُ خَلَلاً. يُعلَنُ الوَجهانِ ولا يُرَجَّحُ أحَدُهُما، لِأنَّ الآيةَ لم تُرَجِّح.

واقرَأْ هذا مَعَ ما مَضى: قيلَ في الخامِسةِ «فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ»، والخِلالُ فُرَجُ ما بَينَ الشَّيئَين. فُتِحَ العُنقودُ على فُرَجٍ تُطرَق، ويُختَمُ على نَسجٍ لا فُرجةَ فيه.

و«لِلْكَافِرِينَ» لامٌ رابِعةٌ من لاماتِ هذا المَقطَع: «عِبَادًا لَّنَا»، و«رَدَدْنَا لَكُمُ»، و«لِأَنفُسِكُمْ» و«فَلَهَا»، ثُمَّ «لِلْكَافِرِينَ». والجِذرُ ك-ف-ر تَغطِيةٌ ماسِكةٌ تَحجُبُ ما تَحتَها. فالآيةُ تَقولُ في آخِرِها ما قالَتْهُ في أوَّلِ الآيةِ قَبلَها: لِكُلِّ عامِلٍ ما عَمِلَه، ومَن غَطّى صارَ ما لَه غِطاءً لا فُرجةَ فيه.


حَصيلة

تُفتَحُ الآيةُ بِـ«عَسى»، وهي كَلِمةُ قُربٍ لم يَستَبِنْ، بَعدَ أن كانَ ما وَقَعَ «وَعْدًا مَّفْعُولًا»؛ فما نَفَذَ مَقطوعٌ به وما يُرجى مَفتوح. والإضافةُ باقِيةٌ في «رَبُّكُمْ» فلَم تُقطَعِ الصِّلةُ بِما جَرى. ثُمَّ يُوضَعُ الفِعلُ نَفسُه على الطَّرَفَين، «عُدتُّمْ عُدْنَا»، كما وُضِعَ «أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ» قَبلَ سَطر، بِلا مُتَعَلَّقٍ يُقَيِّدُه، فيَبقى شَكلاً صالِحاً لِكُلِّ عَودة. ثُمَّ الجَعلُ الثّالِثُ في العُنقود، و«حَصِيرًا» تُعلَنُ بِوَجهَيها: حَبسٌ لا مَخرَجَ منه، ونَسجٌ لا فُرجةَ فيه. فُتِحَ الأمرُ على فُرَجٍ جيسَ فيها، وأُغلِقَ على نَسجٍ لا خَلَلَ فيه، واللّامُ في آخِرِ الكَلامِ تُسَلِّمُ إلى كُلِّ صاحِبِ عَمَلٍ عَمَلَه.